ثمانية أمور تقدم على مقابلاتها
٦ فقرات، ج ٢ ص ١٤٢
- ج ٢ ص ١٤٢
وقوله: "فاللغوي" ، يعني أنه إن لم يوجد في اللفظ اصطلاح شرعي ولا عرفيّ فإنه يجب حمله على معناه اللغويّ. وقوله: "على الجلي" أي على القول الظاهر، خلافًا لمن قدَّم اللغويّ كما تقدم عن أبي حنيفة، وخلافًا لمن يجعله مجملًا كما تقدم عن الإمام والسبكي، وخلافًا لمن لا يعتبر العرف الفِعْلِيَّ كالقرافي وخليل، وخلافًا لمن أخر الشرعي كخليل وانتصر له الرَّهوني. وتسكين "ياء" اللغوي والجلي لضرورة الوزن.
. . . . . . ولم يَجِبْ ... بحثٌ عن المجازِ في الذي انتُخِبْ
يعني أنه يجوز حمل اللفظ على معناه الحقيقي قبل البحث عنه هل هو مستعمل في معناه المجازي؛ لأن الأصل عدم المجاز بلا قرينة كما يدل عليه كلام الفِهْرِيّ. وقوله: "انتُخِب" بالبناء للمفعول بمعنى اختير، ومقابله قول القرافي: إنه لا يصح التمسُّك بالحقيقة إلا بعد الفَحْص عن المجاز. وهذا الخلاف يجري في العام مع الخاص؛ هل يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصِّص أو لا؟ والحق جوازه لأن الأصل لا ينتقل عنه إلا بموجب.
٢١٦ - كذاك ما قابل ذا اعتلالِ ... من التأصُّلِ والاستقلالِ
٢١٧ - ومِنْ تأسُّسٍ عمومٍ وبقا ... الإفرادُ والإطلاق مما يُنْتقَى
٢١٨ - كذاك ترتيبٌ لإيجاب العمل ... بما له الرجحانُ مما يُحْتَمَل
يعني أن هذه الأمور الثمانية المذكورة في هذه الأبيات الثلاثة تُقَدَّم على مقابلاتها، كما قدم الشرعي ثم العرفي.
-
الأول: التأصُّل، فإنه يقدم على مقابله الذي هو الزيادة، ومثاله
ج ٢ ص ١٤٣قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) } [البلد] قيل: "لا" زائدة وقيل: نافية.
-
الثاني: الاستقلال، يقدَّم على مقابله الذي هو الإضمار، ومثاله قوله تعالى: {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة/ ٣٣] الآية، قال الشافعيُّ وغيرُه: يُقتلون إن قتلوا وتُقْطع أيديهم إن سرقوا، والمالكية يقولون: الأصل عدم الإضمار أي الحذف فيخير الإمام بين الأمور المذكورة، فيجوز القتل وإن لم يَقْتلوا والقَطْع وإن لم يسرقوا.
-
الثالث: التأسيس، يقدَّم على مقابله الذي هو التوكيد كقوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) } في سورة الرحمن. وقوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) } في المرسلات، فيحمل على تنوُّع الآلاء في الأول، والمكَذَّب به في الثاني فلا يتكرر.
-
الرابع: العموم، فإنه يقدم على مقابله الذي هو التخصيص، وقيدَّه المؤلف في "الشرح" (١) بكونه قبل البحث عن المخصص، ولا معنى له عندي، لأنه قبل العثور على المخصِّص لم يكن هناك مقابل للعموم موجودًا وبعد العثور على المخصِّص فهو مقدَّم على العامّ فاتضح أن ذكر العموم هنا فيه نظر، وكذلك ذكر الإطلاق الآتي قريبًا.
-
الخامس: البقاء، يقدم على مقابله الذي هو النسخ، ومثَّل له المالكية بذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير، دلّ قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} [الأنعام/ ١٤٥] الآية على إباحته، وثبت
ج ٢ ص ١٤٤عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- النهي عنه (١) ، فاختلف فيه هل النهي ناسخ للآية أم لا؟ فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله، فيكون الحديث مثل قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} [المائدة/ ٣] .
قال مقيّدهُ عفا اللَّه عنه: جَعْل النسخ والبقاء متقابِلَيْن فيه عندي نظر، لأن النسخ أيضًا قبل ثبوته لم يكن مقابلًا للبقاء، وبعد ثبوته فهو مقدَّم على البقاء، كما هو ظاهر (٢) .