هل في رجوع الاستثناء لجميع المتعاطفات حجة لداود الظاهري في الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين لأن الاستثناء في قوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} راجع أيضا لقوله: {وأن تجمعوا بين الأختين}
٥ فقرات، ج ٢ ص ٢٣٩
- ج ٢ ص ٢٣٩
ولم يخالف أبو حنيفة قاعدَتَه هذه في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ} فإنه موافق للجماعة في رجوعه لجميع الجمل قبله، ووجه عدم مخالفته فيه لأصله: أنه عنده راجع إلى الأخيرة فقط وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) } إلَّا أن الإشارة في قوله: {ذَلِكَ} راجعة إلى جميع الجمل المتقدمة، وبرجوعه لها صار الاستثناء راجعًا للكل فظهر أن أبا حنيفة لم يخالف فيها أصلَه.
قال مُقيِّده عفا اللَّه عنه: هذه القاعدة التي ذكرها المؤلف وذكرناها عن الجمهور، منهم المالكية والشافعية والحنابلة، مِن رجوع الاستثناء لجميع المتعاطفات قبله تقتضي صحة احتجاج داود الظاهريِّ على إباحة جمع الأختين في الوطء بملك اليمين؛ لأنه يقول: إن قوله: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} راجع أيضًا لقوله: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء/ ٢٣] أي: إلَّا ما ملكت أيمانكم من الأخوات فلا يحرم فيه الجمع.
-
والجواب عن هذا: أن التحقيق في هذه المسألة هو ما حقَّقه بعضُ المتأخرين كابن الحاجب (١) من المالكية، والغزالي (٢) من الشافعية والآمدي (٣) من الحنابلة (٤) = مِن أَنَّ حُكم الاستثناء بعد الجمل المتعاطفات
ج ٢ ص ٢٤٠هو الوَقْف لاحتمال رجوعه للكل أو البعض أخيرًا أو أوَّلًا.
-
ووَجْه كون هذا القول هو التحقيق: أن القرآن يشهد له في آيات كثيرة كقوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ} إلى قَوْله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} [النور/ ٤ - ٥] فإنه لا يرجع إلى الجملة الأولى التي هي {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} لأن القاذف لا يسقط عنه حدّ القذف بالتوبة. وكقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء/ ٩٢] فإنه لا يرجع للأولى لأن تَصَدُّق مستحق الدية بها لا يُسقط كفارةَ القتل خطأً. وكقوله تعالى: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ} [النساء/ ٨٩ - ٩٠] الآية، فإنه لا يرجع للأخيرة التي هي: {وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) } لأن اتخاذهم أولياء حرامٌ مطلقًا دون استثناء، ولكنه راجع للأولين أعني قوله: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ} أي خذوهم بالأسْرِ واقتلوهم، إلَّا الذين يَصِلُون إلى قومٍ بينكم وبينهم ميثاق فليس لكم أسْرُهم ولا قَتْلُهم لأن لهم من الميثاق ما لمن وصلوا إليهم، لاشتراطهم ذلك في عقد الصلح الذي عقده -صلى اللَّه عليه وسلم- مع هلال بن عُوَيمر، وسراقة بن مالك.
-
وإذا كان الاستثناء ربما لا يرجع للأخيرة التي هو يليها فكيف يكون نصًّا في الرجوع إلى غيرها؟ ! فتبين أنه لا حجة لداود الظاهري في الاستثناء بقوله: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} على التحقيق.
-
وفرَّق بعضُ العلماء بين المفردات والجملِ فقال: يرجع للكل في المفردات بلا خلاف، وفي الجُمَل فيه خلاف، وفرَّق بعضهم بين العطف