يرجح عموم {وأن تجمعوا بين الأختين} على خصوص {إلا ما ملكت أيمانكم} من خمسة أوجه

٦ فقرات، ج ٢ ص ٢٦٢

  1. تخصيص بعد العمل، لأن آية: {وَلَا تَأْكُلُوا} من سورة الأنعام وهي مكية بالإجماع، وآية: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} من سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولًا بالإجماع بالمدينة، فهذا التخصيص بعد العمل نسخ، ودليل ذلك أن التخصيص بيان، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه كما يأتي للمؤلف (١) .

    ٤٣١ - وإن يكُ العمومُ من وجهٍ ظَهَرْ ... فالحكمُ بالترجيحِ حتمًا مُعْتَبرْ

    يعني أن الدليلين إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح بينهما، ويجب العمل بالراجح إجماعًا، وخلافُ الباقلاني في وجوب العمل بالراجح مردود عليه بالإجماع كما يأتي للمؤلف في آخر الكتاب (٢) .

    ج ٢ ص ٢٦٢
  2. ومثال ذلك: قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء/ ٢٣] مع قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون/ ٦] فإن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، تنفرد آية: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} في الأختين بنكاح، وتنفرد آية {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} في ملك اليمين غير الأختين، ويجتمعان في الأختين بملك اليمين، فتدل آية: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} على التحريم، وآية {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} على الإباحة كما قال عثمان رضي اللَّه عنه: أحلتهما آية وحرمتهما أخرى (٣) ،

    ج ٢ ص ٢٦٣فيرجَّح عمومُ {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} من خمسة أوجه:

    الأول: أنه في محل تحريم النساء وتحليلهن، وآية: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} في معرض مدح المتقين، فذكر من صفاتهم حِفْظ الفرج فاستطرد أنه لا يلزم عن الزوجة والسُّرِّية، وأَخْذ الأحكامِ من مظانّها أولى من أخذها لا من مظانها.

  3. الثاني: أن عمومَ {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أجمعَ العلماءُ على تخصيصه، للإجماع على أن عموم {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} يخصِّصه عمومُ {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} وعموم: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء/ ٢٢] الآية، فالأخت من الرضاع وموطوءة الأب لا تحلّان بملك اليمين إجماعًا بخلاف عموم {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} فلم يدخله التخصيص، والعامُّ الباقي على عمومه مقدَّم على العام المخصوص كما يأتي للمؤلف أيضًا، ولم يخالف في ذلك إلَّا السبكي وصفي الدين الهندي (١) .

  4. الثالث: أن عموم: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} وارد في معرض مدح المتقين، والعامُّ الواردُ في معرض مدح أو ذم قيل بعدم اعتبار عمومه كما تقدم في قوله: "وما أتى للمدح أو للذم" إلخ، وعموم: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} لم يَرِد في معرض ذم ولا مدح، وما لم يقترن بمانع الاعتبار مقدَّم على ما قال بعدمِ اعتبارِه بعضُ العلماء كما هو ظاهر.

  5. الرابع: أن الأصل في الفروج التحريم ما لم يدل دليل سالم من

    ج ٢ ص ٢٦٤المعارض على الإباحة.

  6. الخامس: أن عموم {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} يتضمن إباحةً، وعموم {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} يتضمن تحريمًا، والتحريم مقدَّم على الإباحة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فتركُ مباحٍ أهون من ارتكاب حرام كما سيأتي للمؤلف.