قاعدة [٤٥] عقود الأمانات؛ هل تنفسخ بمجرد التعدي فيها أم لا؟
٢٣ فقرة، ج ١ ص ٢٩٨
- ج ١ ص ٢٩٨
المذهب: أنَّ الأمانة المحضة تبطل بالتَّعدي، والأمانة المتضمِّنة لأمر آخر لا تبطل على الصَّحيح.
- ويتخرَّج على هذا مسائل:
-
منها: إذا تعدَّى في الوديعة؛ بطلت، ولم يجز له الإمساك، ووجب الرَّدُّ على الفور؛ لأنَّها أمانة محضة، وقد زالت بالتَّعدِّي؛ فلا تعود (١) بدون عقد متجدِّد، هذا هو المشهور.
-
ولو كانت عينين فتعُدِّي في إحداهما؛ فهل يصير ضامناً لهما، أو لما وجد فيه التَّعدي (٢) خاصَّة؟
-
فيه تردد، ذكره القاضي أبو يعلى الصَّغير.
-
وذكر ابن الزَّاغونيِّ: أنَّه إذا أزال التَّعدِّي وعاد إلى الحفظ؛ لم تبطل (٣) ، وقد يوجَّه: بأنَّ المالك أسند إليه الحفظ لرضاه بأمانته (٤) ،
ج ١ ص ٢٩٩فمتى وُجدت الأمانة فالإسناد موجود لوجود علَّتِه، كما لو صرَّح بالتَّعليق، فقال: كلَّما خنت ثمَّ عدت فأنت أمين؛ فإنَّه يصحُّ؛ لصحَّة تعليق الإيداع على الشَّرط؛ كالوكالة، صرَّح به القاضي.
-
ومنها: الوكيل إذا تعدَّى؛ فالمشهور: أن وكالته لا تنفسخ، بل تزول أمانته ويصير ضامناً، ولهذا لو باع بدون ثمن المثل؛ صحَّ، وضمن النقص؛ لأنَّ الوكالة إذنٌ في التَّصرُّف مع ائتمان، فإذا زال أحدهما (١) ؛ لم يَزُل الآخر، هذا هو المشهور.
-
وعلى هذا: فإنَّما يضمن ما وقع فيه التَّعدِّي خاصَّة، حتَّى لو باعه وقبض ثمنه لم يضمنه؛ لأنَّه لم يتعدَّ في عينه، ذكره في «التَّلخيص» .
-
ولا يزول الضَّمان عن عين ما وقع فيه التَّعدِّي بحالٍ، إلَّا على طريقة ابن الزاغونيِّ في الوديعة.
-
وظاهر كلام كثير من الأصحاب: أنَّ المخالفة من الوكيل تقتضي فساد الوكالة لا بطلانها (٢) ؛ فيفسد العقد، ويصير متصرِّفاً بمجرَّد الإذن.
-
وحكى ابن عقيل في «نظريَّاته» وصاحب «المحرَّر» وجهاً آخر، وبه جزم القاضي في «خلافه» : أنَّ الوكالة تبطل كالوديعة؛ لزوال الائتمان، والإذن في التَّصرف كان منوطاً به.
- ج ١ ص ٣٠٠
ومنها: الشَّركة والمضاربة إذا تعدَّى فيها (١) ؛ فالمعروف من المذهب: أنَّه يصير ضامناً، ويصحُّ تصرُّفه؛ لبقاء الإذن.
-
ويتخرَّج: بطلان تصرُّفه من الوكالة.
-
ومنها: الرَّهن إذا تعدَّى المرتهن فيه؛ زال ائتمانه، وبقي مضموناً عليه، ولم تبطل توثقته.
-
وحكى ابن عقيل في «نظريَّاته» احتمالاً ببطلان الرَّهن (٢) ، وفيه بُعد؛ لأنَّه عقد لازم، وحقٌّ للمرتهن على الرَّاهن، لا سيَّما إن كان مشروطاً في عقد (٣) وقلنا: يلزم بمجرد العقد؛ فإنَّ الرَّاهن يجبر على تقبيضه، فكيف يزول بالتَّعدِّي؟!
-
ومنها: إذا استأجره لحفظ شيء مدَّة، فحفظه في بعضها ثمَّ ترك؛ فهل تبطل الإجارة؟ فيه وجهان:
قال ابن المَنِّيِّ (٤) : أصحُّهما: لا تبطل (٥) (٦) ، بل يزول الاستئمان
ج ١ ص ٣٠١ويصير ضامناً.
-
وفي «مسائل ابن منصور» عن أحمد: إذا استاجر أجيراً شهراً معلوماً، فجاء إليه في نصف ذلك الشَّهر أنَّ للمستأجر الخيار (١) .
-
والوجه الآخر (٢) : يبطل العقد، فلا يستحقُّ شيئاً من الأجرة؛ بناءً على أصلنا فيمن امتنع من تسليم بعض المنافع المستأجرة: أنَّه لا يستحقُّ أجرة، وبذلك أفتى ابن عقيل في «فنونه» .
-
ومنها: الوصيُّ إذا تعدَّى في التَّصرُّف؛ فهل يبطل كونه وصيًّا أم لا؟ ذكر ابن عقيل في «المفردات» فيه احتمالين:
أحدهما: لا يبطل، بل تزول أمانته ويصير ضامناً؛ كالوكيل.
-
والثَّاني: يبطل؛ لأنَّه خرج من حيِّز الأمانة بالتَّفريط، فزالت ولايته بانتفاء شرطها؛ كالحاكم إذا فسق.
-
وفرض المسألة: فيما إذا أقدم على البيع بدون قيمة المثل.
-
وعلى هذا يتخرَّج بيع العدل الَّذي بيده الرَّهن له بدون ثمن المثل أو الثَّمن المقدَّر؛ هل يصحُّ أو لا؛ لأنَّ الأمانة معتبرة فيه، واختيار صاحب «المغني» : أنَّه لا يصحُّ بيعه بدون ثمن المثل، لكنَّه علَّل
ج ١ ص ٣٠٢بمخالفة الإذن، وهو منتقض بالوكيل، ولهذا ألحقه القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل في «الفصول» ببيع الوكيل؛ فصحَّحاه وضمَّناه النَّقص.
-
ومثله: إجارة النَّاظر للوقف بدون أجرة المثل.