قاعدة [١٣٨] العين المتعلق بها حق لله تعالى أو لآدمي: إما أن تكون مضمونة، أو غير مضمونة.
٣٩ فقرة، ج ٣ ص ٣١
- ج ٣ ص ٣١
فإن كانت مضمونة؛ وجب ضمانها بالتَّلف والإتلاف بكلِّ حال.
-
وإن لم تكن مضمونة؛ لم يجب ضمانها بالتَّلف، ووجب بالإتلاف إن كان لها مستحِقٌّ موجود، وإلَّا فلا (١) .
-
أمَّا الأوَّل؛ فله أمثلة:
منها: الزَّكاة إذا قلنا: تتعلَّق بالعين على المشهور؛ فإنَّها لا تسقط بتلف المال، ويجب ضمانها.
-
ومنها: الصَّيد في حقِّ المحرم وفي الحرم؛ مضمون على المالك بالجزاء.
-
وأمَّا الثَّاني؛ فله أمثلة كثيرة:
منها: الرَّهن يُضمن بالإتلاف، مثل أن يَستهلكه الرَّاهن، أو يُعتقه إن كان عبداً، ولا يُضمن بالتَّلف.
- ج ٣ ص ٣٢
ومنها: العبد الجاني إذا أعتقه سيِّده؛ فإنَّه يضمنه، وهل يضمنه بأرش الجناية مطلقاً، أو بأقلِّ الأمرين منه ومن قيمته؟ على روايتين ذكرهما القاضي في «المجرَّد» (١) .
-
وأنكر في «الخلاف» رواية الضَّمان بالأرش مطلقاً؛ قال: لأنَّه أتلف محلَّ الحقِّ؛ فلا يلزمه أكثر من ضمانه، بخلاف (٢) ما إذا اختار فداءه؛ فإنَّه مع بقائه قد يرغب فيه راغب، فيبذل فيه ما يستوفى منه الأرش كلَّه؛ فلذلك ضمنه بالأرش كلِّه على رواية.
-
ونقل عنه ابن منصور: أنَّه إن (٣) علم بالجناية؛ ضمنه بالأرش كلِّه، وإن لم يعلم؛ لزمه الأقل (٤) .
-
ونقل عنه حرب (٥) : إن لم يعلم؛ فلا شيءَ عليه بحال، وإن علم؛
- ج ٣ ص ٣٣
ضمنه بالقيمة فقط (١) .
-
ولو قتله المالك؛ لزمته قيمته للمجني عليه، ذكره القاضي في «خلافه» .
-
وإن قتله أجنبيٌّ؛ ففي «الخلاف الكبير» : يسقط الحقُّ (٢) ؛ كما لو مات.
- وحكى القاضي في كتاب «الرِّوايتين» والآمديُّ روايتين:
-
إحداهما: يسقط الحقُّ، قال القاضي: نقلها مهنَّى (٣) ؛ لفوات محلِّ الجناية.
-
والثَّانية: لا يسقط، نقلها حرب (٤) ، واختارها أبو بكر، وبها جزم القاضي في «المجرَّد» ؛ فيتعلَّق الحقُّ بقيمته؛ لأنَّها بدله؛ فهو كما لو مات القاتل عمداً؛ فإنَّ الدِّية تجب في تركته.
-
وجعل القاضي المطالبة على هذه الرِّواية للسَّيِّد، والسَّيِّد يطالب
ج ٣ ص ٣٤الجاني (١) بالقيمة.
-
ومنها: إذا قَتَل رجلاً عمداً، ثمَّ قُتِل القاتل؛ قال أحمد في رواية ابن ثواب في رجل قتل رجلاً عمداً، ثمَّ قُتِل الرَّجل خطأً: لهم الدِّية، قيل له: وإن قُتل عمداً؟ قال: وإن قُتل عمداً، قيل له: فإنَّ قوماً يقولون: إنَّه إذا قُتل إنَّما كان لهم دمه، وليس لهم الدِّية، قال: ليس كذلك، الحديث: «إنَّ أولياءه بالخيار؛ إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا قبلوا الدِّية» (٢) .
-
فقد نصَّ على أنَّ القاتل إذا قُتل؛ تعينَّت الدِّية في تركته، وعلَّل: بأنَّ الواجب بقتل العمد أحد شيئين، وقد فات أحدهما؛ فتعيَّن الآخر.
-
وهذا يدلُّ على أنَّه لا يجب شيء إذا قلنا: الواجب القود عيناً، وهذا يقوى على قولنا: إنَّ الدِّية لا تثبت إلَّا بالتَّراضي.
-
وخرَّج الشَّيخ تقيُّ الدِّين وجهاً آخر، وقوَّاه: أنَّه تسقط الدِّية بموت القاتل أو قتله بكلِّ حال؛ معسراً كان أو موسراً، وسواء قلنا: الواجب القود عيناً، أو: أحد شيئين؛ لأنَّ الدِّية إنَّما تجب بإزاء العفو، وبعد موت القاتل لا عفو؛ فيكون موته كموت العبد الجاني.
-
والعجب من القاضي في «خلافه» كيف حمل هذه الرِّواية على أنَّ
ج ٣ ص ٣٥أولياء المقتول الأوَّل يُخيَّرون في القاتل الثَّاني بين (١) أن يقتصُّوا منه أو يأخذوا الدِّية؟! وتبعه على ذلك صاحب «المحرَّر» (٢) ؛ فحكاه رواية.
-
ومن تأمَّل لفظ الرِّواية؛ علم أنَّها لا تدلُّ على ذلك البتَّة (٣) .
ج ٣ ص ٣٦وقال القاضي أيضاً في «خلافه» : الدِّية واجبة في التَّركة، سواء قلنا: الواجب أحد شيئين، أو القصاص عيناً.
-
وكلام أحمد يدلُّ على خلاف ذلك كما رأيته، وكذلك نصَّ عليه في رواية ابن القاسم في الرَّجل يَقتل عمداً، ثم يُقدَّم ليُقاد منه، فيأتي رجل فيقتله؛ قال: كان الوليُّ الأوَّل بالخيار؛ إن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدِّية، فلمَّا ذهب الدَّم؛ فينظر إلى أولياء هذا المقتول الثَّاني؛ فإن هم أخذوا الدِّية من القاتل الأخير؛ فقد صار ميراثاً من ماله، ثمَّ يعود أولياء الدَّم الأوَّل فيأخذونها منهم بدم صاحبهم (١) .
-
وكذلك نقل أبو طالب عن أحمد، وقال: إذا فاته الدَّم؛ أخذ الدِّية من ماله إن كان له مال؛ لأنَّه مخيَّر: إن شاء أخذ الدِّية، وإن شاء عفا.
-
وهذا كلُّه تصريح بالحكم والتَّعليل، وجعل المطالبة بالدِّية لأولياء القاتل الأوَّل؛ لأنَّ الدِّية في ماله.
-
وخرَّج صاحب «المغني» وجهاً: أنَّ المطالبة لقاتل القاتل؛ لأنَّه فوَّت محلَّ الحقِّ؛ فهو (٢) كما لو قُتِل العبدُ الجاني.
-
وللأصحاب وجهان فيما إذا قتَلَ الجانيَ بعضُ الورثة، حيث لا
ج ٣ ص ٣٧ينفرد بالاستيفاء؛ هل للباقين حصَّتهم من الدِّية في مال الجاني، أو على المقتصِّ؟ على وجهين.
-
وعلى الأوَّل: يرجع ورثة الجاني على المقتصِّ بما فوق حقِّه.
-
ونقل صالح وابن منصور عن أحمد في رجل قتل رجلاً، فقامت البيِّنة عند الحاكم، فأمر بقتله، فعدا بعض ورثة المقتول، فقتل الرَّجل بغير أمر الحاكم؛ فقال: هذا قد وجب عليه القتل، ما للحاكم ههنا؟! (١) .
-
وظاهر هذا: أنَّه لا يلزمه ضمان؛ لأنَّه استوفى الحقَّ لنفسه ولشركائه، ولا سيَّما إن قلنا: الواجب بقتل العمد القود عيناً.
-
ومنها: لو عيَّن أضحية أو هدياً لا عن واجب في الذِّمَّة، فإن أتلفه أو تلف بتفريطه؛ فعليه ضمانه بمثله؛ لأنَّ مستحقَّه موجود، وهم المساكين، وإن تلف بغير تفريط؛ فلا شيء عليه.
-
ونقل القاضي في «خلافه» ، وأبو الخطَّاب في «انتصاره» ، وابن عقيل في «عُمَدِه» ، رواية بوجوب الضَّمان؛ كالزَّكاة، وأخذوه من قول الخرقيِّ: ومن ساق هدياً واجباً، فعطب دون محلِّه؛ فعليه مكانه.
-
وهذا بعيد جدًّا، وكلام الخرقيِّ إنَّما هو في الواجب في الذِّمَّة.
قالوا: وكذا الخلاف فيمن نذر الصَّدقة بمال معيَّن، فلم يفعل حتَّى
ج ٣ ص ٣٨تلف؛ هل يضمنه؟ على الرِّوايتين.
-
ومنها: لو نذر عتق عبد معيَّن، فمات قبل أن يعتقه؛ لم يلزمه عتق غيره، ولزمه كفَّارة يمين، نصَّ عليه أحمد (١) ؛ لعجزه عن المنذور.
- وإن قتله السَّيِّد؛ فهل يلزمه ضمانه؟ على وجهين:
-
أحدهما: لا يلزمه، قاله القاضي وأبو الخطَّاب؛ لأنَّ القصد من العتق تكميل الأحكام، والمصرف العبد، فإذا فات المصرف؛ لم يبق مستحقٌّ للعتق.
-
والثَّاني: يلزمه، قاله ابن عقيل؛ فيجب صرف قيمته في الرِّقاب؛ أخذاً من قولنا في الولاء: إذا حصل من المعتقين في الكفَّارة صرف في الرقاب، والولاء أيسر من القيمة؛ لأنَّه بدل الأكساب، والقيمة بدل الذَّات، وإذا كانت الرِّقاب مصرفاً؛ فلا وجه لسقوط القيمة عنه.
-
ولو أتلفه أجنبيٌّ؛ فقال أبو الخطَّاب: لسيِّده القيمة، ولا يلزمه صرفها في العتق.
-
وخرَّج بعض الأصحاب وجهاً بوجوبه، وهو قياس قول ابن عقيل؛ لأنَّ البدل قائم مقام المبدل، ولهذا لو وصَّى له بعبد، فقُتِل قبل قبوله؛ فإنَّ قيمته له إذا قبل.