[١] ما يدركه المسبوق في الصلاة؛ هل هو آخر صلاته أو أولها؟
٣٦ فقرة، ج ٣ ص ٢١٦
- ج ٣ ص ٢١٦
وفي هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد:
إحداهما: أنَّ ما يدركه آخر صلاته، وما يقضيه أوَّلها، وهي ظاهر المذهب.
-
والثَّانية: عكسها.
- ولهذا الاختلاف فوائد:
-
أحدها: محلُّ الاستفتاح؛ فعلى الأولى: يستفتح في أوَّل ركعة يقضيها (٢) ؛ إذ هي أوَّل صلاته، نقلها حرب.
-
وفي «شرح المذهب» للقاضي: لا يشرع الاستفتاح فيها؛ لفوات محلِّه.
- ج ٣ ص ٢١٧
وعلى الثَّانية: يستفتح في أوَّل ركعة أدركها؛ لأنَّها أوَّلَتُه، نقلها ابن أصرم (١) .
-
الفائدة الثَّانية: التَّعوُّذ؛ فعلى الأولى: يتعوَّذ إذا قام للقضاء خاصَّة.
-
وعلى الثَّانية: يتعوَّذ في أوَّل ركعة يدركها.
-
وهذا بناء على قولنا: إنَّ التَّعوُّذ يختصُّ بأوَّل ركعة، فأمَّا على قولنا: هو مشروع في كلِّ ركعة؛ فتلغو هذه الفائدة.
-
الفائدة الثَّالثة: هيئة القراءة في الجهر والإخفات؛ فإذا فاته الرَّكعتان الأُولَيان من المغرب أو العشاء؛ جهر في قضائهما من غير كراهة، نصَّ عليه في رواية الأثرم (٢) .
-
وإن أمَّ فيهما - وقلنا بجوازه -؛ سنَّ له الجهر، وهذا على الرِّواية الأولى.
-
وعلى الثَّانية: لا جهر ههنا.
- الفائدة الرَّابعة: مقدار القراءة؛ وللأصحاب في ذلك طريقان:
-
أحدهما (٣) : أنَّه إذا أدرك ركعتين من الرُّباعيَّة؛ فإنَّه يقرأ في المقضيتين بالحمد وسورة معها على كِلا الرِّوايتين، قال ابن أبي موسى: (لا يختلف قوله في ذلك) ، وذكر الخلَّال أنَّ قوله استقرَّ على
ج ٣ ص ٢١٨ذلك، وفي «المغني» : (هو قول الأئمَّة الأربعة، لا نعلم عنهم فيه خلافاً) .
-
والطَّريق الثَّاني: بناؤه على الرِّوايتين، فإن قلنا: ما يقضيه (١) أوَّل صلاته (٢) ؛ فكذلك، وإلَّا اقتصر فيه على الفاتحة، وهي طريقة القاضي ومن بعده، وذكره ابن أبي موسى تخريجاً، وقد نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم، وأومأ إليه في رواية حرب وغيره.
-
وأنكر صاحب «المحرَّر» الطَّريقة الأولى، وقال: لا يتوجَّه إلَّا على رأي من يرى قراءة السُّورة في كلِّ ركعة، أو على رأي من يرى قراءة السُّورة في الأُخريين إذا نسيهما في الأُولَيَيْنِ.
قلت: وقد أشار أحمد إلى مأخذٍ ثالثٍ، وهو الاحتياط؛ للتردُّد فيهما، وقراءة السُّورة سنَّة مؤكَّدة؛ فيحتاط لها أكثر من (٣) الاستفتاح والتَّعوُّذ (٤) .
-
ولو أدرك من الرُّباعيَّة ركعة واحدة، فإن قلنا: ما يقضيه أوَّل صلاته؛ قرأ في الأُولَيين من الثَّلاثة بالحمد وسورة، وفي الثَّالثة بالحمد وحدها.
-
ونقل عنه الميمونيُّ: يحتاط، ويقرأ في الثَّلاث بالحمد وسورة. قال
ج ٣ ص ٢١٩الخلَّال: (رجع عنها أحمد) .
-
الفائدة الخامسة: قنوت الوتر إذا أدركه المسبوق مع من يصلِّي الوتر بسلام واحد؛ فإنَّه يقع في محلِّه ولا يعيده إن قلنا: ما يدركه آخر صلاته.
-
وإن قلنا أوَّلها: أعاده في آخر ركعة يقضيها.
-
الفائدة السَّادسة: تكبيرات العيد الزَّوائد، إذا أدرك المسبوق الرَّكعة الثَّانية من العيد، فإن قلنا: هي أوَّل صلاته؛ كبَّر خمساً في المقضيَّة، وإلَّا كبَّر سبعاً.
-
الفائدة السَّابعة: إذا سُبق ببعض تكبيرات صلاة الجنازة، فإن قلنا: ما يدركه آخر صلاته؛ يتابع الإمام في الذِّكر الَّذي هو فيه، ثمَّ قرأ في أوَّل (١) تكبيرة يقضيها.
-
وإن قلنا: ما يدركه أوَّل صلاته؛ قرأ فيه بالفاتحة.
-
الفائدة الثَّامنة: محلُّ التَّشهُّد الأوَّل في حقِّ من أدرك من المغرب أو الرُّباعيَّة ركعة، وفي المسألة روايتان:
إحداهما: يتشهَّد عقيب قضاء ركعة.
-
والثَّانية: عقيب ركعتين، نقلها حرب (٢) .
-
والأُولى اختيار أبي بكر والقاضي، وذكر الخلَّال: أنَّ الرِّوايات استقرَّت عليها.
- واختلف في بناء الرِّوايتين:
-
فقيل: هو (١) على الرِّوايتين في أصل المسألة؛ إن قلنا: ما يقضيه أوَّل صلاته؛ لم يجلس إلَّا عقيب ركعتين، وإن قلنا: هو آخرها؛ تشهَّد عقيب ركعة؛ لأنَّها ثانيته، وهذه طريقة ابن عقيل في موضع من «فصوله» ، وأومأ إليها أحمد في رواية حرب.
-
وقيل: بل الرِّوايتان على قولنا: ما يدركه آخر صلاته، وهي طريقة صاحب «المحرَّر» وغيره، ونصَّ أحمد على ذلك صريحاً في رواية عبد الله (٢) والبراثيِّ (٣) ، مفرِّقاً بين القراءة والتَّشهُّد.
- ج ٣ ص ٢٢١
وعلَّل في رواية عبد الله: بأنَّه احتياط بالجمع بين (١) مذهب ابن مسعود في الجلوس عقيب ركعة (٢) ، ومذهب ابن عمر في القراءة في الرَّكعتين (٣) .
-
وقد صحَّ عن ابن مسعود: أنَّه يجلس عقيب ركعة، مع قوله: «إنَّ ما أدركه مع الإمام آخر صلاته» ، نقله عنه أحمد (٤) .
-
وزعم صاحب «المغني» أنَّ الكلَّ جائز.
-
ويردُّه ما نقله مهنَّى عن أحمد: أنَّه إذا جلس عقيب ركعتين؛ يسجد للسَّهو؛ فجعله كتارك التَّشهُّد الأوَّل.
- ج ٣ ص ٢٢٢
وممَّا يحسن تخريجه على هذا الخلاف ولم نجده منقولًا: تطويل الرَّكعة الأولى على الثَّانية، وترتيب السُّورتين في الرَّكعتين.
-
فأمَّا رفع اليدين إذا قام من التَّشهُّد الأوَّل - إذا قلنا باستحبابه -؛ فيحتمل أن يرفع إذا قام إلى الرَّكعة المحكوم بأنَّها ثالثة، سواء قام عن تشهُّد أو غيره.
-
ويحتمل أن يرفع إذا قام من تشهُّده الأوَّل المعتدِّ به، سواء كان عقيب الثَّانية أو لم يكن؛ لأنَّ محلَّ هذا الرَّفع هو القيام من هذا التَّشهُّد؛ فيتبعه حيث كان، وهذا أظهر والله أعلم.