حديث سواد بن قارب والكلام على متنه
١٧ فقرة، ج ١ ص ٣٠٦
- ج ١ ص ٣٠٦
روى الطبراني في الكبير: أن سواد بن قارب - رضي الله عنه - أنشد الرسول - صلى الله عليه وسلم - قصيدته التي توسل فيها التوسل ويقول الدحلان: ولم ينكر الرسول عليه ومنها قوله:
وأشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل ... وإن كان فيما فيه شيب الذوائب
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعةٍ ... بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
الكلام على متن هذا الحديث
إن هذه الأبيات الأربعة التي استشهد بها الشيخ دحلان على جواز التوسل بذات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس فيها معاني التوسل الذي يعنيه وبخاصة في البيت الثاني وهو قوله:
وإنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
تقدم معنا في أول الكتاب في تعريف الوسيلة لغة وشرعاً أن الوسيلة هي القربة إلى الملك ووسل إلى الله وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل. ولا شك ولا ريب أن العمل الذي عمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم الأنبياء فصار بذلك أوفى المرسلين إلى الله وسيلة أي قربة ومنزلة فأي معنى من معاني التوسل بذوات المخلوقين موجود في هذا البيت ... ؟ الجواب: ليس فيه أي معنى من معاني التوسل بذوات المخلوقين إنما معناه هو ما قلناه آنفاً: إن أعمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي أعظم أعمال الأنبياء والمرسلين فصار بذلك أدناهم
ج ١ ص ٣٠٧وأقربهم إلى الله تعالى.
-
كما أن الوسيلة معناها كما فسرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله:
[إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي فمن صلى علي مرة - صلى الله عليه وسلم - الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة رفيعة في الجنة ... لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو]
وهذا المعنى أيضاً لا يخرج عن المعنى الأول وهي الوسيلة والقربة من الله تعالى فهل في ذلك ما يفيد جواز التوسل بذات المخلوق ... ؟
-
وهذا ما يقصده سواد بن قارب - رضي الله عنه - في أبياته التي يمدح بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولعل الدحلان يقصد أيضاً ما جاء في البيت الأخير:
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة ... بمغن قتيلاً عن سواد ن قارب
وكذلك ليس في البيت الأخير ما يعين الدحلان على مراده ألبته لأن سواد بن قارب يخاطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويرجوه أن يدعو الله تعالى أن يكون له شفيعاً يوم القيامة والخطاب هذا ولا شك كان في حياته - صلى الله عليه وسلم - وطلب الشفاعة منه حال حياته لا بأس به لأنه طلب لدعائه - صلى الله عليه وسلم - لأن يكون سواد في جملة من يشفعه الله بهم يوم القيامة أي يأذن له بالشفاعة فيهم فما الذي في هذا البيت من معاني التوسل بذوات المخلوقين ... ؟! اللهم إلا إذا كان الدحلان يريد أن يحمل الألفاظ ليستقيم مراده ... !! فهذا شيء آخر إنما لا يقر على ذلك فإن اللغة العربية التي خلق الله مفاهيمها ومدلولات ألفاظها لا تخضع إلى مراد الدحلان فقواعد اللغة ثابتة ومعانيها فرغ منها فلا يطمع أحد في تغييرها على ما يحب ويهوى.
-
والخلاصة: ليس في متن هذا الحديث أي معنى من معاني التوسل المعروف عند الدحلان ومن البدهي بعد ذلك أن لا يصلح هذا الحديث حجة ولا دليلاً على مراد التوسل بذوات المخلوقين فسقطت حجة الاستدلال به على ذلك متناً أما سنداً فإليك تفصيل ذلك:
ج ١ ص ٣٠٨[الكلام على سند هذا الحديث]
تبين لك يا أخي القارئ المسلم الكريم: أن هذا الحديث ليس في صيغة متنه ما يفيد قيام أية حجة على صحة ما يجهد (القوم ... ) ويحاولون من إثبات جواز التوسل بذوات المخلوقين ... !!!
-
وحتى لو صح هذا الحديث سنداً ليس في متنه حجة لهم بل هو ولا شك حجة عليهم كما أثبتنا ذلك آنفاً فكيف وإن سنده ضعيف ... !!! فقد ذكر الحافظ ابن حجر الهيثمي في كتابه ((مجمع الزوائد) ) إنه حديث ضعيف كما ثبت أن كافة طرقه ورواياته التي ورد فيها ضعيفة واهية وإليك البيان:
١ - رواية البيهقي وهي عنده: فيها زياد بن زيد بن بادويه ومحمد بن نواس الكوفي. قال الذهبي: هذا حديث منكر بالمرة، ومحمد بن نواس وزياد، مجهولان لا تقبل روايتهما. وأضاف: وأخاف أن يكون موضوعاً أبي بكر بن عباس (١) .
- (١)هو أحد رجال سند الحديث.
-
٢ - رواية أبي يعلى: وقد رواها ابن كثير في (السير - المطولة) ص٣٤٤ - ٣٤٦ وقال: هذا منقطع من هذا الوجه.
-
وقد أوضح الحافظ الذهبي في الجزء الأول من / تاريخ الإسلام الكبير / ص١٢٤ علة هذه الطريقة. فقال: أبو عبد الرحمن: اسمه عثمان بن عبد الرحمن الوقاص متفق على تركه وعلي
بن منصور فيه جهالة مع أن الحديث منقطع.
-
٣ - رواية ابن عدي: قال الذهبي: فيه سعيد، يقول: أخبرني سواد بن قارب - وبينهما انقطاع - وعباد ليس بثقة يأتي بطامات.
-
٤ - رواية محمد بن السائب الكلبي: قال ابن كثير في / السيرة المطولة /ج١ ص٣٤٨ - ٣٤٩: محمد بن السائب الكلبي متهم بالكذب ورمي بالرفض كما في التقريب.
-
٥ - رواية أبي بكر محمد بن جعفر بن سيل الخرائطي في كتابه الذي جمعه
ج ١ ص ٣٠٩في هواتف الجان وهي عند ابن كثير في / السيرة المطولة / ص٣٤٦ وفيها الشعر ما سوى: (وكن لي شفيعاً) .
-
٦ - رواية الفضل بن عيسى القرشي: عن العلاء بن يزيد.
-
قال السيوطي في شرح / شواهد المغني / ج٢ ص٢٥٥: والعلاء ابن يزيد قال المديني: كان يضع الحديث. وقال البخاري وغيره منكر الحديث. وقال أبو حيان: روى نسخة موضوعة. وأورد له الذهبي في / الميزان / عدة مناكير.
-
٧ - رواية الحسن بن سفيان: في مسنده من طريق الحسن بن عمارة. قال السيوطي في شرح شواهد المغني ص٢٥٥: والحسن بن عمارة ضعيف جداً (١) أرأيت يا أخي القارئ الكريم تهافت هذا الحديث وعدم صلاحه للاحتجاج به ... لا متناً ولا سنداً ... !!!؟
- (١)هذه التخاريج من الروايات السبعة لهذا الحديث وافانا به فضيلة الأخ الكريم الشيخ إسماعيل الأنصاري جزاه الله خيراً.
-
فبينما يريدون في إيراد متنه حجة لهم في إثبات وجهة نظرهم على صحة التوسل إلى الله بذوات المخلوقين إذا بهم بدافع من بلاهتهم واوافر من حمقهم ورعونتهم يعطون خصومهم - بإيرادهم هذا الحديث - سلاحاً صالحاً لتوجيهه ضدهم في الوقت الذي يشهرونه زاعمين نصرتهم به فالحديث لا يبحث في جواز التوسل بذوات المخلوقين لا في قليل أو كثير بل على العكس يثبت جواز توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن له الذي يؤيده خصومهم ويدعون إليه.
-
وهكذا فإن حديثهم هذا كان حجة عليهم والفضل في ذلك يعود إليهم لأنهم هم الذين أعطوا خصومهم هذا السلاح.!!! فرجعوا بذلك مأزورين غير مأجورين ولا مشكورين لأنهم لا نية لهم ولا قصد ولكنهم ضربوا سهما فعاد إليهم مخترقاً مقاتلهم.
-
أما السند فلا أزيد يا أخي معرفة به بعد أن وضعت أما ناظريك صورة صحيحة عن مختلف طرقة ورواياته الضعيفة الواهنة
ج ١ ص ٣١٠الواهية وبعد أن علمت أن رجاله مجموعة من الرجال المتهمين بالضعف الشديد والنكارة وحتى الكذب ... !!!؟
-
أسانيد كهذه الأسانيد الموصوفة بتلك الصفات نضع الحكم على الحديث الموصوف بها وأهليته للاحتجاج به من قبل القوم على صحة وجهة نظرهم بين يدي القارئ المسلم الكريم واثقين من حكمة العادل المنصف ...