حديث استفتاح اليهود على المشركين بمحمد والكلام على متنه
١٠ فقرات، ج ١ ص ٣٢٤
- ج ١ ص ٣٢٤
يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال [كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود فعاذت بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كفروا به فأنزل الله تعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ... /٨٩/) البقرة.
-
الكلام على متن هذا الحديث
هذا الحديث حديث متصدع المتن منهار من وجوه:
١ - أن هذه الآية: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ... ) لم تنزل في يهود خيبر قط إنما نزلت في اليهود الذين هم مجاورون للمدينة من بني قينقاع وبني النضير وهذا باتفاق أهل التفسير والسير فقد روى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا: مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله وهداه - ما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان وكان أهل الكتاب عندهم علم ليس عندنا وكانت لا تزال بيننا شرور فإذا نلنا منهم ما يكرهون قالوا لنا: (قد تقارب زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرم) كثيراً ما كنا نسمع ذلك منهم فلما بعث محمد رسولاً من عند الله أجبنا حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزلت الآيات في البقرة: (ولما جاءهم من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين /٨٩/) البقرة.
- ج ١ ص ٣٢٥
٢ - أن اليهود لم يحاربوا ((غطفان) ) قط فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان بل نزلت كما قلنا في يهود المدينة؟ فإن هذا القول من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب ومما يبين ذلك أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب ولو كان هذا لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله.
-
٣ - التوراة ولا شك أقدم من حروب اليهود والعرب فإذا كان هذا الدعاء معروفاً عندهم وله هذا الأثر في الانتصار فلماذا لم يدعوا به من أول مرة فيوفرون أرواح رجالهم وبنيهم فعدم الدعاء به وترك العرب يقتلونهم دليل على كذب الحديث.
-
٤ - إن اليهود كانوا يعلمون من توراتهم أنه سيأتي نبي آخر الزمان وكانوا يظنون أنه سيبعث منهم واليهود من أولهم إلى آخرهم لم يسموا أحداً منهم محمداً قط فكيف يقول راوي الحديث نقلاً عن اليهود في دعائهم الذي يقولون فيه: [اللهم إننا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم ... .] ودليلنا انهم كانوا يظنون أنه سيبعث منهم قول أبو العالية وغيره: (كان اليهود إذا استنصروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - على مشركين العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا حتى نغلب المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمداً ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسداً للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى هذه الآيات: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) .
-
٥ - أن كلا الروايتين: رواية محمد بن إسحاق ورواية أبي العالية وغيره ... ليس فيها ذكر اسم محمد - صلى الله عليه وسلم - إنما ذكر نبي آخر الزمان مما يدل على أنهم لا يعرفون اسمه فكيف يذكرون اسمه صريحاً في الدعاء ... ؟ مما يدل على أن الحديث المذكور الذي فيه اسم النبي بصراحة هو موضوع لأن اليهود ما كانوا يعرفون اسمه ولا من أي القبائل هو فكيف يذكرون اسمه صريحاً في الدعاء؟ ولو علموا أن اسمه محمد لعلموا أنه من العرب ولما ظنوا أنه سيبعث منهم إذ لما بعث من العرب كفروا به حسداً منهم للعرب.
- ج ١ ص ٣٢٦
٦ - وعلى فرض أنهم كانوا يعلمون أنه سيبعث من العرب وهم ينتظرونه بفارغ الصبر فلما بعثه الله من العرب لماذا لم يؤمنوا به ويكونوا معه يحاربوا المشركين في صفه لينتقموا منهم ويثأروا لقتلاهم؟!!! بل سبقهم أخصامهم العرب وآمنوا به وقاتلوهم بل واستأصلوهم من جزيرة العرب إلى يومنا هذا؟ لأنهم ما كانوا يعلمون أنه سيبعث من العرب بل يظنون أنه سيبعث منهم ولكن الحديث المكذوب يقول في دعائهم اللهم إنا نسألك بحق محمد وهذا دليل على وضع الحديث.
-
كل هذه البلايا والألغام في متنه فكيف إذا تأكدت يا أخي أنه موضوع كذلك بالنسبة إلى سنده عندها تتفجر الألغام ويصبح أثراً بعد عين وإليك البيان:
[الكلام على سند هذا الحديث]
-
إن هذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه وقال: أدت الضرورة إلى إخراجه وهذا مما أنكره عليه العلماء فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس وهو عند أهل العلم بالرجال متروك بل كذاب وقد تقدم ذكر حال عبد الملك بن هارون في الصفحة /٣٠٩/ وقال عنه ابن تيمية: عبد الملك ابن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب وقال السعدي: دجال كذاب وقال أبو حاتم: يضع الحديث وقال النسائي: متروك. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أحمد بنم حنبل ضعيف. وقال ابن عدي: له أحاديث لا يتابعه عليها أحد وقال الدارقطني: هو وأبوه ضعيفان وقال الحاكم في كتاب المدخل: عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني روى عن أبيه أحاديث موضوعة وأخرجه أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات.
- ج ١ ص ٣٢٧
هذا هو راوي الحديث وهذه شهادات علماء الرجال فيه بالإضافة إلى متنه المتصدع المنهار فهل تقوم به حجة على دعوى القوم لقد صار الكذب والوضع والاختلاق شعارات الأحاديث التي يقدمها القوم حججاً!!! على صحة دعواهم والله لا أدري ما أقول ولكن أترك تقدير النظر إليهم إلى نظر القارئ الكريم وفي هذه القدر كفاية لقوم يعقلون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.