الدليل العاشر: ((ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع)) إبراهيم

٩ فقرات، ج ١ ص ٩١

  1. قوله تعالى:
  2. ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقوموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (٣٧) ... إبراهيم

    هذا دعاء يدعو به إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد فراغه من بناء البيت الحرام فقال: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) أي نفذت أمرك يا رب حينما أمرتني بأن أسكن أم ولدي هاجر وابني إسماعيل في هذا الوادي غير ذي الزرع ولولا أمرك إياي ما فعلت ولما أمرتني بذلك علمت أنك ستتولاهم برعايتك وعنايتك فأطعتك وأسكنت أم ولدي وولدي متوكلاً عليك وذلك ليقيموا الصلاة مع ذراريهم التي ستكون في المستقبل منهم بتقديرك ومشيئك.

  3. فلا شك أن طاعة أوامر الله تعالى بإسكان هاجر وابنها بهذا الوادي الممحل تحت الشمس المحرقة بلا أكل ولا ماء إنما هو غاية قصوى في التوكل عليه سبحانه وتعالى حتى أنه لما وضعها في ذلك المكان وانصرف عنها ... قالت له هاجر أم ولده إلى من تتركنا يا إبراهيم؟ فلم يجبها وظل منصرفاً عنهما حتى قالت له في الثالثة: إلى من تتركنا يا إبراهيم ... آلله أمرك بهذا ... ؟ فالتفت إبراهيم عليه السلام إليها وقال: نعم ... قالت: إذاً لا يضيعنا ... وهذا كذلك توكل على الله منها واطمئنان ويقين بأنه سبحانه لا يضيعهما وهو العليم الحكيم الخبير.

  4. إن الطاعة المطلقة والتوكل على الله من إبراهيم بإسكان ذريته بواد غير ذي زرع عند بيته المحرم ومن أجل أن يقيموا لله وحده الصلاة لا شك أنه عمل صالح عظيم منه - صلى الله عليه وسلم - هذه الطاعة وهذا التوكل وبناء البيت العظيم ... جعل كل هذا العمل الصالح وسيلة منه إليه تعالى ثم دعا الله وقال: ( ... فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) .

    ج ١ ص ٩٢
  5. أي بسب ما أطعتك وتوكلت عليك وبنيت بيتك الحرام اللهم فاجعل أفئدة المسلمين تهوي إليهم بالمحبة أي لذريته التي أسكنها بواد غير ذي زرع ثم إلى ذراريهم إلى يوم القيامة وارزقهم من الثمرات ليكون ذلك عوناً على طاعتهم لك.

  6. ولما كان توسل إبراهيم إلى الله توسلاً شرعياً ويحبه الله ويرضاه استجاب دعاءه كما قال عز وجل: (أم لم نمكن لهم حرماً آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء زرقاً من لدنا ٥٧ - القصص وهذا من لطفه وكرمه ورحمته فها إن الثمرات تترى على الحرم وأهله استجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام وتجبى إليه ثمرات كل شيء من كافة أنحاء المعمورة فاللهم أوزعنا أن نشكر نعمتك ...

  7. وهكذا فقد علمت يا أخي المسلم أن التوسل المشروع سبب في استجابة الدعاء لا سيما إذا كان صادراً عن نبي كريم بل من أبي الأنبياء عليه الصلاة والسلام فلا شك أن ذلك كان تلقياً من الله تعالى وتعليماً منه لأن كل عمل يعمله النبي إنما هو وحي من الله سبحانه.

  8. وكلنا يعلم ... أن الأنبياء هم القدوة الصالحة لمن بعدهم وعندها يذكر الله القصة تلك: في القرآن فهو حض منه تعالى لعباده المؤمنين لأن يتقفوا خطوات الأنبياء في أعمالهم وعباداتهم ولأنهم المثل الأعلى للمؤمنين والأسوة الصالحة والقدوة الحسنة في كل شأن من شؤون دينهم ودنياهم ... فإلى هذه القدوة الصالحة والأسوة الحسنة ندعو المؤمنين ليكونوا حقا كما كانوا ... ويعودوا خير أمة أخرجت للناس.

  9. على أن هذه الخيرية على الناس لم تأتهم صدفة ولا اتفاقاً ولا رمية من

    ج ١ ص ٩٣غير رام ... إنما كانت هذه الخيرية لما اتخذوا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - نوراً يستضيئون بهما في دياجير الشك والجهل فلما آمنوا وتعلموا بدلهم الله بحال خير من حالهم التي كانوا عليها فقد تبدل شكهم بإيمان ويقين وجهلهم بمعرفة وعلم فصاروا هداة للعالمين وصاروا إلى قيادة الدنيا وأهلها في الحق والهدى والخير وتذوق أهل الأرض على أيديهم طعوماً من الطمأنينة في العقيدة والراحة في العبادة والعدل في الأحكام لأنهم يحكمون بما أنزل الله (ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون /٥٠/) المائدة.