الدليل الحادي عشر: ((قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي)) القصص
١٠ فقرات، ج ١ ص ٩٤
- قوله تعالى:
-
قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (١٦)
-
القصص
يحسن بنا من أجل أن نفهم مراد الله من هذه الآية الكريمة أن نستعرض الآية التي قبلها ... لكي نعلم ما هو الذنب الذي ارتكبه موسى عليه الصلاة والسلام والذي اعترف لله بأنه ظلم للنفس فطلب المغفرة منه؟ قال في الآية التي سبقتها:
(ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين /١٥/) .
-
فهم من هذه الآية الكريمة أن الذنب الذي فعله موسى صلوات الله وسلامه عليه هو قتل نفساً ما قصد قتلها إنما أراد أن ينتصر للذي من شيعته على الذي من عدوه المعتدي فوكزه والوكز عادة لا يؤدي إلى القتل إنما سبق الأجل
ج ١ ص ٩٥ومات الرجل من أثر وكزة موسى نفهم أنه عليه السلام لم يكن في نيته قتل الرجل ... لكنه قتل قضاءاً وقدراً ... وعلى كل فإن القتل صدر عن موسى عليه السلام خطأ .. وفي هذا ولا شك ذنب يقتضي الاستغفار لأنه ظلم نفسه بقتل الرجل وإن لم يكن عن قصد ... (قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم) .
-
إن اعتراف موسى عليه السلام بأنه ظلم نفسه بقتله القبطي ... أجل إن هذا الاعتراف منه عمل صالح أراد أن يتوسل به موسى إلى ربه ليغفر له ذنبه وإن كان فعله له خطأ ... فإنه - على كل - ذنب يستلزم التوبة منه ولما أراد أن تكون التوبة منه مقبولة عند الله ليحصل على المغفرة منه قدم بين يدي توبته ودعائه واستغفاره عملاً صالحاً يصلح أن يكون سبباً شرعياً عند الله لقبوا التوبة وحصول المغفرة فاعترف بذنبه بأنه ظلم نفسه بهذا العمل الذي وقع منه ولو خطأ ... فقدم هذا الاعتراف وسيلة للمغفرة ... فتقبل الله منه ... وكان اعترافه عملاً صالحاً مقبولاً ... وأهلاً عند الله لأن يغفر الله له به (فغفر له) أي قبل توسله ومن قبول الله لتوسله فهم أن الاعتراف بالذنب عمل صالح يصلح لأن يكون وسيلة إليه تعالى وقربى منه وفهم أيضاً أن التوبة عند الله ترجح على الذنب وأن الاعتراف والندم توبة إليه تعالى مقبولة.
-
ونود أن لا نغادر هذا الفصل ... قبل أن نتوقف - ولو قليلاً - عند الآية التي قبلها .. عند قوله تعالى: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه .. ) هذه الآية التي يستدل بها بعض الناس ... على جواز الاستغاثة بغير الله ... ولا يحسبن القارئ الكريم أننا شذذنا عن البحث عندما ننتقل من بحث التوسل إلى الاستغاثة فأقول: لالا .. إننا لم نشذ عن البحث إنما نحن في صميمه ويجب علينا معالجته في مناسبته ... أخي القارئ المسلم الحبيب: تذكر أننا عندما نقول لأحد من الذين يجوزون الاستغاثة بغير الله ... يا أخي ... إياك أن تستغيث أو تدع أحداً أمامك ...
- ج ١ ص ٩٦
يستغيث بغير الله فإن الاستغاثة عبادة ... ولا يجوز صرفها إلا لله تعالى فيقول يا أخي إن هذا لا يستغيث بغير الله ... إنما يتوسل به إلى الله تعالى مع أنه يستغيث فعلاً بغير الله ولكن يريد أن يصرف مفهوم الاستغاثة إلى مفهوم الوسيلة ... تهرباً من المسؤولية التي تلحق به عند استغاثته هر بغير الله ... أو سكوته عن أحد ما ... استغاث أمامه بغير الله تعالى. ولم يعلم أن هذه المغالطة!! إنما يغالط بها ربه الذي يعلم الجهر وما يخفى والسر وأخفى فغلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء إنه بهذه المحاولة أوالمغالطة يريد أن يدفع عنه الانتقاد والنصح فحسب ... وإلا فإنه يجيز بلا شك ولا ريب الاستغاثة بغير الله تعالى ... ولكنه يريد أن يتهرب من الإدانة فيختبئ وراء الوسيلة ليبرر بزعمه عمله ودليلنا على أنه يجعل الوسيلة تكأة لتبرير استغاثته بغير الله هو استدلاله بقوله تعالى: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) ويقول: أرأيت كيف تجوز الاستغاثة بغير الله ... ؟ فهذا الاسرائيلي استغاث بموسى على القبطي فأغاثه موسى .. ولم ينبهه موسى عليه السلام إلى عدم جواز استغاثته به بل كان عليه أن لا يستغيث بموسى عليه إنما يستغيث بالله وحده ... !!! فسكوت موسى عن استغاثة الاسرائيلي ... بل واغاثته فعلاً دليل واضح على جواز الاستغاثة بغير الله ... فأقول: هذه إما مغالطة ثانية أو جهل مطبق من هذا المتفلسف الذي يدافع عن الزندقة والشرك والكفر بلا علم ولا كتاب منير. وأرجح أنه كما يقول العامة من عندنا (غشيم وشيطان) بأن واحد نحن لا يهمنا مهما كانت منزلته الإبليسية أو الغبائية ... فإنه هو الذي سيحمل وزره وأوزار من يضلهم ... إنما المهم في الأمر أن نسعى مخلصين لإظهار الحق له ولغيره ومن نشاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولا يمنعنا أحد عن الجهر بالحق.
-
لا حجة للجهال الذين يحتجون باستغاثة الإسرائيلي بموسى عليه الصلاة والسلام على جواز الاستغاثة بغير الله مع علمهم بأن استغاثة الإسرائيلي بموسى عليه الصلاة والسلام هي استغاثة مخلوق بمخلوق في أمر يقدر على تنفيذه المستغاث به.
- ج ١ ص ٩٧
أي إغاثته من القبطي وقد فعل ... فكيف تحتجون به على جواز استغاثة مخلوق بمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله وحده كالمغفرة وجلب الرزق وتفريج الكروب وما إلى ذلك .. ؟ فشتان بين الاستغاثتين!! لأن الأولى استغاثة عادة ... ويمكن أن يفعلها أي إنسان لأن ذلك مقدوره وفي حدود طاقته ... أما الثانية أي الاستغاثة فيما لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى فهي استغاثة عباده. فمن صرفها لغير الله تعالى فقد وجه عبادة لغيره ... وهذا والعياذ بالله .. هو الشرك الأكبر. فإذا فهم هذا .. وضح الفارق بين الاستغاثتين ولا قياس مع الفارق كما هو معلوم والله الموفق للصواب.
-
أرأيت يا أخي كيف يخلطون - خبثاً أو غباء - بين الاستغاثتين لينصروا الباطل على الحق ... ؟ تراهم يفسرون الاستغاثة بالوسيلة ... ولا وجه في المشابهة بينهما قطعاً، وليست الاستغاثة هي الوسيلة أبداً لأن لكل معنى مستقلاً دون الآخر فالاستغاثة يتم حصولها بوجود شيئين فقط وهما: المستغيث والمستغاث به أما الوسيلة فلا تتم إلا في وجود ثلاثة أشياء: المتوسل والمتوسل به والمتوسل إليه فكيف يمكن أن نقول الاستغاثة هي الوسيلة .. ؟!! وقد علمنا الفارق بينهما .. ؟ ولكن برغم كل ذلك .. فلا يزال الخصوم - هداهم الله يتمسكون بهذا التفسير المغلوط برغم وضوح الفارق بينهما!!!
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ج
نستميح عذراً من القارئ المسلم العزيز لا ستطرادنا بالبحث ... وسيعذرنا القارئ ولا شك .. ما دمنا نحاول أن نبين واقعاً مؤلماً يعيشه قسم لا يستهان به المسلمين وأمراً باطلاً يتمسك به المغرضون .. !!؟ برغم بيان الحجة ووضوح المحجة وسطوع الحق متلألئاً كالشمس ولكن الغرض مرض والعياذ بالله تعالى. ندعوه تعالى أن يقينا وإياهم والمسلمين عامة من شره ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ...