الدليل السادس: ((حديث الغار))

١٥ فقرة، ج ١ ص ١٢٩

  1. قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عنه ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:

    [ ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى أواهم المبيت إلى غار فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فقال رجل منهم:

    ((اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران كنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأي بي طلب شجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناماً فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر - زاد بعض الرواة - ((والصبية يتضاغون عند قدمي)) فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة.

    ج ١ ص ١٢٩
  2. فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منها)) قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ((قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي .. فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تجلي بيني وبين نفسها ... ففعلت. حتى إذا قدرت عليها ... قالت: لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها ... فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.

    قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ((وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرتهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب ... فثمرت أجره ... حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين ... فقال لي: يا عبد الله أد لي أجري. فقلت: كل

    ج ١ ص ١٣٠ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق!!! فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي؟!! فقلت إني لا أستهزئ بك. فأخذه كله ... فساقه فلم يترك منه شيئاً اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة ... فخرجوا يمشون))]. رواه البخاري ومسلم والنسائي.

  3. هذا حديث نبوي شريف متفق على صحته يرويه - صلى الله عليه وسلم - عن الأمم المؤمنة السابقة وإنك لتعلم يا أخي القارئ المسلم أن من البدهي أن الإنسان لا يتكلم بكلام ... إلا ويكون له مناسبة وإن هذه المناسبة غالباً ما تلجئ المتكلم إلى إيراد شاهد يؤيد ما ذهب من رأي ... أو يورد الشاهد أولاً ... ثم يقارن به واقعاً في مجتمعه يود معالجته فيكون إيراد الشاهد عوناً له على إدخال ما يبغيه من مفاهيم في أفكار الناس حتى يؤيدوه ويتبعوا ما جاءهم به من نصح.

  4. إذاً ... فإن إيراد الشاهد إنما هو وسيلة إيضاحية يؤيد به المتكلم فكرته التي يدعو الناس إليها ... وإن إيراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث يمكننا أن نستنتج منه أحد الغرضين الآنفي الذكر ... أي إما أنه كان يبحث مع صحابته قضية التوسل أو سألوه عنها أو أنه رغب أن يعالج هذه القضية أي قضية التوسل ... ليسلك بالمؤمنين المسلمين السبيل الصحيح طالماً أن للمسلمين قرب عهد بالشرك فقد يكونون لقرب عهدهم هذا ... ما زلوا يتوسلون توسلاً جاهلياً غير مشروع فيخطئون من حيث لا يريدون ... كالحلف باللات مثلاً فقد كان المسلمون الحديثو عهد بشرك ... كانوا يحلفون بالات - سبق لسان - دونما أي تقصد ويعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك منهم ... فكان يقول: [من حلف باللات فليقل لا إله إلا الله] أي من حلف باللات ناسياً غير متقصد فكفارة ذلك أن يعقبها حالاً بقوله: لا إله إلا الله لأن الحلف عبادة فمن حلف بالله فقد عبد الله تعالى ومن حلف بغيره فقد عبد هذا الذي حلف به ... فلزم أن يفرد الله بالعبادة وحده فيقول: لا إله إلا الله. أي لا معبود إلا الله بمعنى أنني وجهت بقولي: (واللات) عبادة لغير الله فلا يكفر ذلك ... إلا أن أتبرأ من جديد من عبادة غير

    ج ١ ص ١٣١الله أي قولي: (واللات) وأجدد إيماني بأنني لا أعبد إلا الله وحده لا شريك له فأقول: لا إله إلا الله أي لا معبود لي بحق في السماء والأرض إلا الله تعالى.

  5. فهمنا مما تقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أورد هذا الحديث إلا لموجب اقتضى إيراده لأنه - صلى الله عليه وسلم - حريص على أمته أن تسلك الطريق المستقيمة إلى العمل الصحيح وكل تخبط في الطريق مانع من الوصول إلى الغاية المتوخاة من العمل ولا شك في أن الأمم المؤمنة السابقة هم أسوة لنا في العمل المستقيم وليس أدل على استقامة عملهم من موافقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بل وإيراده حجة له في معالجة ما يريد أن يعالجه وليكون أيضاً وسيلة إيضاح يستعين بها على إفهامهم مراده من الشاهد الذي يورده.

  6. هناك قاعدة شرعية تقول: (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا) فالتوسل إلى الله تعالى بالوسائل الشرعية هو ... من لدن آدم أول الأنبياء إلى محمد خاتمهم صلى الله عليه وعليهم أجمعين وسلم تسليماً لم يتبدل ولم يتغير لصلته الوثيقة بالتوحيد كذلك هو لم يتبدل ولم يتغير إذ من غير المعقول أن يكون مطلوب الله التوحيد من أمم ... ثم يكون مطلوبه من أمم أخرى الشرك!!! فهذا مما لن يكون أبداً (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (٥٢) الأنبياء

    وعلى هذا الأساس الركين فإن التوسل بالعمل الصالح الذي يستشهد به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواية الأمم السابقة المؤمنة ... إنما كان شرعياً من قبل الله لكافة الأمم ولم ينسخه شيء ... لا سيما وإن شرعنا - القرآن والسنة - يؤكد من جديد على تحديد التوسل المشروع بأقسامه وأنواعه الثلاثة الآنفة الذكر في الأبحاث الماضية ويحث عليه المؤمنين ويجعله سبباً شرعياً لا ستجابة الدعاء.

  7. تعمدت يا أخي القارئ المسلم الكريم أن أمهد لك في بحثي المتقدم ... . تمهيداً مسهباً ولو بعض الشيء ... كيما أتعاون وإياك على فهم مراد الله ورسوله ... هذا من جهة ... ومن جهة أخرى أن أسد المنافذ على بعض الذين يودون أن يعرقلوا مسيرة الحق ... ويغطوا نوره للحؤول دون تسربه إلى القلوب

    ج ١ ص ١٣٢والأفئدة ... لعلهم يرجعون إلى الحق ويحاربون معنا عدونا إبليس لعنه الله هذا العدو الذي جاهر بعدائه بني آدم وأخذ بذلك عهداً على نفسه أمام ساعة لعنه وطرده.

    (قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين /٣٩/ إلا عبادك منهم المخلصين /٤٠/ قال هذا صراط علي مستقيم /٤١/ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من تبعك من الغاوين /٤٢/ وإن جهنم لموعدهم أجمعين /٤٣/ ... الحجر

    وها أناذا اشرع بالكلام على هذا الحديث بحديث الغار وأحاول أن أتطلع إلى مقصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إيراده وذكره وروايته لأصحابه ... فأقول وبالله المستعان: لعل سائلاً يسأل كيف يروي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبراً عن الأمم السابقة المؤمنة وهو لم يعاصرهم ولا رواه له من عاصرهم ما دام بينه وبينهم زمن سحيق يقدر بآلاف السنين ... ؟!!!

  8. الجواب: سؤال ... من الذي أخبر - صلى الله عليه وسلم - عن قوم عاد وثمود وإبراهيم ولوط وغيرهم وما حل بهم ... ؟ سيقولون أخبره الله تعالى في قرآنه ... فنقول: وكذلك أخبره الله تعالى في السنة ... فالقرآن وحي والسنة وحي أيضاً ... إلا أن القرآن كلام الله والسنة ليست كلامه إنما كلاهما وحيان: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) /٣/النجم.

  9. إذاً فهذا الحديث ... إخبار عن الله تعالى كغيره من الأحاديث التي ترد في مواضيع شتى ... والغرض منه إخبار أمته بأخبار الأمم فتحصل بذلك العظة والأسوة ولفت أنظار أمته - صلى الله عليه وسلم - أن يفعلوا كما فعل الثلاثة ... بعد أن أووا إلى الغار وأطبقت الصخرة فسدته عليهم ... فقالوا: لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم.

  10. وقد يسأل سائل آخر: من أين علموا أنه لا ينجيهم إلا الدعاء بصالح أعمالهم؟

  11. الجواب: إن مثل هذا القول الذي قالوه ... لا بد أن سمعوه من نبيهم في ذلك الحين ... أو من آبائهم الصالحين عن نبيهم .. لأن علمهم هذا لا يعرف إلا من مشكاة النبوة كما يفهم أن قائليه مؤمنون ... ولولا ذلك ما استشهد به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وندب أمته أن يعملوا عملهم أي يتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة إما حز بهم أمر أو حلت بهم شدة أو نزل بهم كرب.

    ج ١ ص ١٣٣
  12. أما الأول: فقد توسل إلى الله ببره لوالديه وتفضلهما على أهله وأولاده ونفسه أما الثاني: فقد توسل إلى الله بعفته عن الحرام وعن الوقوع في الفحشاء مخافة الله. أما الثالث: فقد توسل إلى الله تعالى بأمانته واستقامته وبمعاملة أجيره كما يعامل بل وزيادة وكل فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى لا خوفاً من العباد ولا طمعاً بإطراء منهم أو مديح ... أو جزاء.

  13. ولا شك أن أعمالهم من أرفع الأعمال الصالحة ... فهي أعمال صالحة مرضية مقبولة رفعت إلى الله وسيلة لاستجابته الدعاء بنجاتهم من كربهم العظيم ... وكان كل توسل يصدر من أحدهم يكرمه الله تعالى فوراً باستجابة الدعاء ... إلى أن أجاب الجميع وأنقذهم من الصخرة ... وأزاحها عنهم ... بسبب توسلهم الصالح المخلص ... وخرجوا جميعاً يمشون .. !!

  14. فعندما يذكر النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا الخبر عن الأمم السابقة ... يعلم الكل ما هو مقصده من ذكره فينشط الجميع إلى التأسي بمن ذكرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيتوسلون عند الاقتضاء كما توسل أولئك الثلاثة - رضي الله عنهم -.

  15. إذا فذكر هذا الحديث وإيراده ... إنما هو حض وتحريض منه - صلى الله عليه وسلم - على العظة والأسوة والاقتداء وهكذا قد جعل أصحابه - صلى الله عليه وسلم - من بعده وكذلك القرون الخيرة ... ثم ظهر اقرن البدعة من وراء قرن الشيطان فنسي الهدي المحمدي والمنهج المصطفوي والصراط النبوي ... فماتت السنة وقامت البدعة فاستبدلوا التوسل المشروع بالتوسل الممنوع وجعلوا المخاليق وذواتهم هدف الغرض فتوسلوا بهم إليه تعالى وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوها حسنة ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً.