الدليل السابع: ((دعاء ابن مسعود)) ودعاء عراك بن مالك

١٢ فقرة، ج ١ ص ١٣٤

  1. دليل من عمل الصحابة

    لا شك في أن نذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعض أخبار الأمم السابقة المؤمنة إنما يهدف من ذلك للعظة والتأسي.

    ج ١ ص ١٣٤
  2. وأن الصحابة الكرام هم أول المتلقين عنه - صلى الله عليه وسلم - هذه العظات وهم أول الذين يتأثرون بها ويستفيدون من العظة ويحرصون على التأسي بمن قبلهم من الأمم المؤمنة لا سيما إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الدال والحاض على هذا التأسي. فتعود تلك العظات ليست مجرد أخبار للاطلاع فحسب ... إنما أصبحت شرعاً يقتدى به استجاباً أو وجوباً ... بحسب مكانة العظة ... أو درجة تركيز الرسول عليها وحضه على تنفيذها.

  3. ولا شك في أن الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم أوعية إرث النبوة الخاتمة والقلوب الواعية لهذا العلم الموروث ... وما حبسوا عن الأمة بعد نبيهم أية سنة علموها منه وكانوا في حياتهم العامة والخاصة أمثلة حية صادقة لحياة الرسول عليه أفضل الصلوات وأزكى التحية.

    فكانوا في حالهم وقالهم ... الهداة الصادقين الحريصين على تبليغ ما وعوه عن الرسول الكريم في كل شأن من الشؤون الدينية والدنيوية فكانوا القدوة الكاملة للأمة حملة أنفاس الرسول العطرة بالهدى والخير.

    وفي صدد ما نحن جادون في معالجته من بحث التوسل بالأعمال الصالحة نأتي على سبيل المثال بما كان الصحابة يفعلونه من التوسل ... .

  4. وهذا خبر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - نورده كنموذج من توسلاتهم التي طبقوها في حياتهم كان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول بعد صلاة الليل: (اللهم أمرتني فأطعتك ودعوتني فأجبتك وهذا سحر فاغفر لي) .

    ج ١ ص ١٣٥
  5. فالقيام في السحر والناس نيام من أجل الأعمال الصالحة قدمها ابن مسعود بين يدي دعائه ولم يدع قبل أن يتوسل بها إلى الله تعالى:

    (اللهم أمرتني فاطعتك ودعوتني فأجبتك وهذا سحر فاغفر لي) .

    وفي هذا ... إشارة إلى الحديث: [ينزل ربكم إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له] أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

  6. وهذا عراك بن مالك - رضي الله عنه -:

    (كان إذا صلى الجمعة، انصرف ... فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني (١) فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين) رواه ابن أبي حاتم.

    1. (١)وهذا دليل على أن الصحابة كانوا ينتشرون بعد صلاة الجمعة فلا يصلون ظهراً بعدها!!! كما هي حال بعض المسلمين اليوم من صلاة الظهر بعد الجمعة كأن في هذا اليوم فرضاً سادساً!!!؟ راجع رسالتنا: ((حكم الشرعية في صلاة الظهر بعد الجمعة)).
  7. وإن كلام عراك - رضي الله عنه - كما هو واضح هو توسل إلى الله تعالى بإجابة دعوة الله إلى الصلاة وهي الأذان وبصلاته فريضة الجمعة وبانتشاره من بعد الصلاة كما أمره الله تعالى وسائر المسلمين في قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ... ) /١٠/الجمعة. كل هذه الأعمال الصالحة قدمها توسلاً إليه تعالى بين يدي دعائه ... ثم شرع يدعو فقال: فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.

    وإذا كان هذا عمل توسل به ابن مسعود وعراك بن مالك رضي الله عنهما فليس سائر الصحابة دونهما توسلاً ... وعملاً وتطبيقاً لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد كانوا جميعاً على هذا النمط من العمل والتطبيق والحرص على اتباع الرسول

    ج ١ ص ١٣٦الأعظم - صلى الله عليه وسلم - وهل تلقينا السنة المطهرة إلا عن

    طريقهم؟ ولكن خلف بعد القرون الخيرة خلف تسلك البدعة إلى فوفهم ثم توارثت الأجيال الجاهلة ما سول الشيطان لهم بدعة ... حتى صار لهم أعوان وأنصار ... فشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً حتى أصبح التوسل الممنوع شعاراً عاماً بين المسلمين - إلا من رحم ربك - فترى الكثرة الكثيرة عامة وخاصة عند ما يتوسلون يكاد ... أن لا يخطر على بالهم التوسل إلى الله بذات الله بأسمائه وصفاته أو بالأعمال الصالحة ... وأصبحت السنة بدعة والبدعة سنة!!! فلا حول ولا قوة إلا بالله.

  8. وإذا حاولت يا أخي تذكيرهم بالحق وبالسنة المنسية غضب أكثرهم وسمع لأنفاسهم شهيق وزفير ولأضراسهم تغيظ وصرير وتكاد أعينهم ترميك بالشرر ... كل هذا ... لأنك ذكرتهم بالسنة وإحيائها ودعوتهم إلى شميم العبق وأريحها الفواح بالحق والخير والهدى.

  9. لا تيأس يا أخي ... إن الحياة جهاد وكفاح ... وإن إصرارك في الحق ورسوخك مؤثراً في النفوس فتتفتح له القلوب والأفئدة عاجلاً أو آجلاً ويعود الحق خفاق البنود في ظل ظليل من الرعاية الإلهية والعناية الربانية فإلى ذلك المستقبل المنتظر ... أسرع الخطى وكل آت قريب إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله عليه نتوكل وبه نستعين.

  10. وليس التوسل المشروع الذي أضاعه المسلمون هو المقصود من الجهاد فحسب لا إنما السنة النبوية في كل شيء دقيقها وجليلها صغيرها وكبيرها ... من قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى الحكم بما أنزل الله ... إلى ... إماطة الأذى عن الطريق كل هذا يدخل في حساب الجهاد في سبيل الله حتى تعود العقيدة الصحيحة والحكم الصالح والحياة الإسلامية في كل معانيها ... في البيت وفي الشارع وفي المسجد وفي المجتمعات العامة والسوق والحانوت والمتجر وكل شأن من شؤون الحياة لأن الإسلام الشامل شمل كل الحاجات أعلاها وأدناها

    ج ١ ص ١٣٧وقعد لها قواعد وسن لها شرائع من يوم أن نزل جبريل بـ (اقرأ باسم ربك الذي خلق) /١/ العلق إلى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) /٣/المائدة.

  11. أجل ... إن المسلم من يتمثل فيه الإسلام بكامله، يأتمر يكل الأوامر وينتهي عن كل النواهي ويشعر من أعماقه أنه لو تخلى الناس عن الإسلام ما تخلى عنه ولو هجر كل الناس الدعوة إليه ما هجرها ... فيدعو إليه في نفسه وأهله وأقربائه ومجتمعه وأصدقائه ويستعين بكل وسيلة في سبيل إذاعته ونشره ولا يهولنه طول الطريق وما حوله أو على جنباته من العوائق ... وليعتمد على الله فإنه ناصره لا محالة ولو طال السبيل فلا بد واصل إلى النهاية وما النهاية إلا الوصول إلى الهدف الأسمى ... وهو عودة المسلمين إلى دينهم الحق والعودة إلى الإسلام إنما هي النجاح في كل ناحية من نواحي الحياة لأن الإسلام لم يترك شاردة ولا واردة في جميع شؤون الحياة ... إلا وطرقها وأحصاها واستقصاها .. عندما نستطيع أن نقول عن أنفسنا إننا مسلمون حقاً فتفتح لنا القلوب وتهفو الينا النفوس وتدعونا البلدان والثغور لنحل فيها الحق والعدل والهدى والخير ويهتف أهلها: أهلاً بالمنقذين.

    أخي المسلم ... هذا والله سيكون إذا كنت داعية مخلصاً في دعوتك للإسلام تدعو إليه لا لفتح أو تسلط أو جبروت ... إنما لتذويق القلوب الأفئدة طعم الحق والعدل وتنقذ الحيارى والتائهين وتدلهم على الصراط المستقيم.

  12. هذه مهمة في الحياة ليكون هادياً ومعلماً وداعياً إلى الحق طبق ما وصفه الله سبحانه في كتابه العزيز:

    (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ... ) (١١٠) آل عمران.