الدليل الثالث: ((حديث عكاشة))
٧ فقرات، ج ١ ص ١٦٢
- ج ١ ص ١٦٢
الصحابة الكرام يطلبون منه ويتوسلون بدعائه - صلى الله عليه وسلم -
حديث عكاشة
كما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يطلب من أصحابه وأمته أن يدعوا له أي يتوسل إلى الله بدعائهم له كذلك كان الصحابة - رضي الله عنهم - يطلبون منه أن يدعو لهم أي يتوسلون إلى الله تعالى بدعائه لهم وهناك أمثلة عديدة على ذلك ... ولكننا نقتطف منها ونختار ما ييسرنا الله تعالى إليه مبتدئين بحديث عكاشة - رضي الله عنه -.
-
عن حصين بن عبد الرحمن (١) قال: [كنت عند سعيد بن جبير (٢) فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدعت. قال: فما
صنعت؟ قلت استرقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت حدثنا الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة عن الخصيب أنه قال: ((لا رقية إلا من عين أو حمة) ) قال:
ج ١ ص ١٦٣قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد إذ رفع سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب) ) ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً وذكروا أشياء ... فخرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه فقال: ((هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) ) فقام عكاشة بن محصن فقال: أدع الله أن يجعلني منهم. قال: ((أنت منهم) ) ثم قام رجل آخر فقال: أدع الله أن يجعلني منهم. فقال: ((سبقك بها عكاشة) )].
- (١)هو السلمي أبو هذيل الكوفي ثقة مات سنة ١٣٦ وله ثلاث وتسعون سنة.
- (٢)هو من أجلة أصحاب ابن عباس وهو كوفي مولى لبني أسد قتل بين يدي الحجاج سنة ٩٥ ولم يكمل الخمسين.
-
وقد رواه البخاري مختصراً ومطولاً ومسلم واللفظ له والترمذي والنسائي.
-
إن هذا الحديث مؤلف من حديثين اثنين .. الأول: عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: [أيكم رأى الكوكب البارحة - إلى قوله - قد أحسن من انتهى إلى ما سمع] . والحديث الثاني: قوله أي سعيد بن جبير: ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: [عرضت علي الأمم ... إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - ... ((سبقك بها عكاشة) )].
-
وفي كلا الحديثين من المسائل والفوائد في الدين من عقيدة التوحيد ما ينفع المسلمين نفعاً عظيماً وقد لا يكون هذا الكتاب موضع تفصيلهما على عظم ما تضمنت من الفوائد الجليلة فلتراجع كتب السلفية التي شرحت هذا شرحاً مفيداً مفصلاً (١) إنما شاهدنا مما جاء في الحديث الثاني ... هو قول عكاشة:
ج ١ ص ١٦٤[ادع الله أن يجعلني منهم. قال: ((أنت منهم) ) ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم قال: ((سبقك بها عكاشة) ) عكاشة.
- (١)راجع كتاب التوحيد لشيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب طيب الله ثراه وراجع شرحيه ((قرة عيون الموحدين)) و ((فتح المجيد)) لحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله.
-
نعم ... إن شاهدنا قول عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم قال: ((أنت منهم) ) وللبخاري في رواية فقال: ((اللهم اجعله منهم) ) ففيه طلب الدعاء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي توسل عكاشة بدعاء رسول الله أن يجعله الله من السبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب فدعا له الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((اللهم أجعله منهم) ) وكذلك قيام الرجل الآخر الذي قال: ادع الله أن يجعلني
منهم فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - ((سبقك بها عكاشة) ) سداً للباب حتى لا يتلاحق الناس بسؤال ذلك منه هذا من جهة ومن جهة أخرى كما قال القرطبي: لم يكن عند الثاني من الأحوال ما كان عند عكاشة فلذلك لم يجبه وقال: ((سبقك بها عكاشة) ) وكأن الدعوة لواحد فلما سبق إليها عكاشة كانت له وهذا حسن جواب وحسن خلق منه - صلى الله عليه وسلم - فإن عكاشة هذا كان من السابقين إلى الإسلام هاجر وشهد بدراً وقاتل فيها واستشهد في قتال أهل الردة بقيادة خالد بن الوليد بيد طليحة الأسدي سنة اثنتي عشرة ثم أسلم طليحة الأسدي وجاهد الفرس يوم القادسية مع سعد بن أبي وقاص واستشهد في وقعة الجسر المشهورة.
-
فقوله - صلى الله عليه وسلم - ((أنت منهم) ) أو ((اللهم اجعله منهم) ) فضيلة لعكاشة. هذه الفضيلة التي كانت سبباً في أن يكون منهم أو بدعاء رسول الله له كان منهم فعلى كلا الحالين فهم من طلب عكاشة الدعاء ... جواز التوسل بدعاء المؤمن إلى أخيه المؤمن وشرعية ذلك وهذا شيء معروف شرعيته عند الصحابة. فكثيراً ما توسل الصحابة بدعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عليه الصلاة والسلام يدعو لهم ملبياً توسلهم بدعائه وكان القصد من توسل الصحابة بدعائه توقع الاستجابة لدعائه - صلى الله عليه وسلم - فهو ولا شك مستجاب الدعوة ... فقد سأله الأعمى أن يدعو له ليرد الله عليه بصره ففعل ورد بصره وسألته المرأة التي كانت تصرع أن يدعو لها بأن لا تتكشف حين تصرع فدعا لها
ج ١ ص ١٦٥أيضاً وسأله بعض الصحابة السقيا فاستسقى لهم أي دعا لهم أن يسقوا فسقوا والأمثلة كثيرة على هذا النوع من التوسل المشروع نكتفي منها بما سنورده إن شاء الله وبه المستعان.