الدليل الرابع: ((حديث توسل الأعمى بدعائه - صلى الله عليه وسلم -)

١٤ فقرة، ج ١ ص ١٦٦

  1. عن عثمان بن حنيف - رضي الله عنه -:

    [أن رجلاً ضريراً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: ((إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير) ) قال: فادعه. فأمر أن يتوضأ وضوءه ويدعو بهذا الدعاء:

    ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى. اللهم شفعه في) ).

    ج ١ ص ١٦٦
  2. فعاد وقد أبصر] وفي رواية قال ابن حنيف: [فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضر] رواه النسائي والبيهقي والطبراني وقد روى الترمذي والحاكم في مستدركه زيادة جملة في آخر الحديث وهي [وشفعني فيه] .

    لا شك أن هذا الحديث صحيح ومشهور ... وقد ثبت فيه بلا شك ولا ريب ارتداء بصر الأعمى بدعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له.

  3. إن هذا الأعمى جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب أن يدعو الله ليعافيه من ضره. فخيره رسول - صلى الله عليه وسلم - بين الدعاء له بالشفاء وبين أن يصبر على ضره وذلك خير له عند الله تعالى ولكن الأعمى أصر على التوسل إلى الله تعالى بدعاء رسول الله له فقال: فادعه. فلما رأى النبي إصرار الأعمى على طلب الدعاء منه عندها أمره عليه صلوات الله وسلامه ... أن يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يدعو: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة) ). ولنقف قليلاً عند قوله: ... . وأتوجه إليك بنبيك لنرى من خلاله قوله ..

  4. ماذا يريد ويبغي منه أيقصد ذات النبي - صلى الله عليه وسلم - أم يريد منه الدعاء إلى الله تعالى أن يعافيه .. ؟

    ج ١ ص ١٦٧
  5. لا شك أن الأعمى قدم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من داره من أجل شيء يحرص عليه كل حرص وهو إعادة بصره إليه وإنه أي الأعمى ليعلم علم اليقين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا دعا له الله تعالى أن يعافيه من الضر ... تقبل الله دعاءه وأذن سبحانه بمعافاته في بصره هذا هو الدافع الوحيد الذي دفع بالأعمى للقدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أن دليلاً آخر يؤيد ذلك أنه لما وصل إليه - صلى الله عليه وسلم - بادره حالاً قائلاً أدع الله أن يعافيني. إذاً فقد تعين من كلام الأعمى مراده من قدومه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنه ليريد دعاء رسول الله له ... ليعافيه الله من الضر.

  6. ثم فلننظر إلى أثر هذا الطلب - أي طلب الأعمى - في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حيث حله أو حرمته أو إمكانه أو عدمه ... فمن أجل التثبيت من ذلك فلنستعد ما أجابه به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... أجابه بقوله: ((إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير) ) أي خيره بين أمرين اثنين وتركه في ذلك إلى مشيئته فإن شاء دعا له وإن شاء صبر على الضر وهذا خير له.

  7. إذاً فهم من جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له أن توسله بطلب الدعاء إلى الله أن يعافيه طلب صحيح ولا غبار عليه وأنه أيضاً في مكنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحقيقه له أي بدعائه الله له أن يعافيه ... إنما نبهه إلى شيء خير من ذلك ... وهو صبره على ما قدر الله عليه ... لأن الله أعد للصابرين على قدره في الآخرة أجراً يفوق عودة بصره في الدنيا لكن الأعمى فضل المعافاة وعودة بصره في الدنيا - ما دام ذلك لا يطعن في دينه بشيء - على ما سيكون له في الآخرة إن صبر .. وقال: ((فادعه ... ) ) أي أدع الله أن يعافيني.

    ترى ... ما كان موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طلب الأعمى .. ؟ وبخاصة بعد أن خيره بين الدعاء له أو الصبر على العمى ... ؟ لا سيما وبعد أن

    ج ١ ص ١٦٨اختار الأعمى الدعاء على الصبر ... لا شك أن المجزوم به قطعاً ... أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وعد وفى ... وقد وعد الأعمى بالدعاء ... إنما أراد أن يكون للأعمى عمل أيضاً ... وإن أنفع عمل له في هذا الوطن هو دعاؤه الله تعالى بمعافاته من ضره ... بالإضافة إلى دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له على أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك الأعمى يدعو بما يشاء دون أن يعلمه دعاء معيناً يدعو به ... فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ... وهذا عمل صالح يدعو بهذا الدعاء:

    ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى. اللهم شفعه في) ) - وفي رواية الترمذي - ((وشفعني فيه) ).

    هذا هو الدعاء الذي علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعمى فذهب وتوضأ وأحسن وضوءه ثم دعا بهذا الدعاء ... كما علمه إياه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

    وبينما كان الأعمى يتوضأ ويحسن وضوءه ... دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشفع له عند الله تعالى: أن يعيد له بصره كما وعده.

    ولعل سائلاً يسأل: من أين علمت أن رسول الله قد دعا له ... ؟ بينما الحديث خلو من هذا العلم ... ولم يقل دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجواب.

    نعم أن الحديث لم يخبرنا نصاً بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعا له ... ولكن هذا مفهوم ولا شك من الحديث نفسه.

  8. ١ - إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد وعده بالدعاء ووعده حق وصدق.

  9. ٢ - قول الأعمى في آخر الدعاء: اللهم شفعه في أي يدعو الله تعالى أن يقبل شفاعة رسول الله فيه فلولا أن يكون قد شفع فيه لما دعا الأعمى أن يتقبل شفاعته - صلى الله عليه وسلم - فلا بد إذن من أن رسول الله دعا له وشفع له عند الله تعالى أن يرد عليه بصره وإلا فأي شفاعة يدعو الأعمى أن يتقبلها الله ... وممن يتقبلها ... ؟

  10. ٣ - وفي رواية الترمذي: ((وشفعني فيه) ) أي وأقبل شفاعتي بقبولك

    ج ١ ص ١٦٩شفاعة رسول الله في أي كمن يقول آمين عندما ينتهي الإمام من قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة. أي استجب دعاء الإمام فينا بقوله: (اهدنا الصراط المستقيم) .

  11. وكذلك الأعمى يقول: شفعني في قبول شفاعة رسول الله في ... فإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدع له فكيف يقول: شفعني في قبول الله في لأن الهاء من قوله ((وشفعني فيه) ) ضمير متصل تقديره هو عائد على الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

    كل هذا ... يدل دلالة قاطعة جازمة على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعا للأعمى وشفع فيه عند الله أن يرد إليه بصره ولا شك أن دعاء رسول الله مستجاب وقد استجاب الله له في الأعمى فرد إليه بصره وهو على كل شيء قدير.

  12. وهذا عثمان بن حنيف - رضي الله عنه - يحدثنا: ((فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأنه لم يكن به ضر) ).

  13. هذه قصة توسل الأعمى بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعافيه ... ويرد إليه بصره وإنها - كما رأيت - قصة صحيحة وفيها الدليل الواضح على مشروعية التوسل إلى الله تعالى بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن ... إن كان الأعلى للأدنى أو الأدنى للأعلى وهكذا فقد ثبت بهذا الحديث ما أردنا إثباته من مشروعية توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له وفهم أن معنى نبيك أي بدعاء نبيك.

  14. أما الرد على من يتخذ هذا الحديث حجة في إثبات مشروعية التوسل الممنوع ... !! أي التوسل إلى الله بذوات المخلوقين (١) فسيكون ردنا على ذلك بعد قليل ي- إن شاء الله - رداً يستند إلى قواعد علم الحديث والمناقشة العلمية بالحجة الشرعية والبرهان المؤيد بشاهدين عدلين أعظم بهما من شاهدين عدلين: كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - هذا ما نرجو أن يوفقنا الله إليه

    1. (١)راجع الصفحة ٢٣٦ - ٢٤٠ من هذا الكتاب تر الرد الموعود به إن شاء الله.