حديث الاستسقاء بالعباس - رضي الله عنه -
٢٠ فقرة، ج ١ ص ٢٦١
- ج ١ ص ٢٦١
روى البخاري في صحيحه من رواية أنس بن مالك - رضي الله عنه -:
[أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس ابن عبد المطلب - رضي الله عنه - وقال: اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا - صلى الله عليه وسلم - فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون]
-
مما لا شك فيه ولا ريب أن هذا الحديث صحيح وما ظنك بصحه حديث يريه الإمام البخاري؟ وقد سبق شرحه والكلام عليه بأنه من أقسام التوسل المشروع وهو من نوع المؤمن إلى الله بدعاء أخيه المؤمن له (١) عند استشهادنا به على مشروعية التوسل بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن على أن (القوم ... ) أتوا به حجة لهم على جواز توسل المؤمن بذوات المخلوقين .. !!
- (١)راجع الصفحة /١٧٣/إلى/١٧٦/من هذا الكتاب.
-
إذاً فاعادة البحث فيه هو من أجل التدقيق عن صحة هذا الجواز المدعى!! فإن صح هذا الجواز شرعاً فنحن من أسبق الناس إلى الأخذ به والعمل بمقتضاه وما لنا ألا نعمل به إذا كانت الشريعة الغراء تجيز ذلك .. ؟ ولكن البحث والتحقيق سيقضيان في إثبات هذا الجواز أو عدمه ف يحق لنا إذا ثبت الجواز أن نرفض الأخذ به كما لا يحق لهم إذا ثبت المنع أن يأخذوا بالمنع ويفعلوه وهم يعملون أنه ممنوع.
-
هذا ما نحاول مخلصين جاهدين بكل طاقتنا في إثبات الجواز أو المنع والله من وراء القصد وبه المستعان وعليه الاتكال.
-
إن الحديث هذا يجبرنا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان كلف العباس أن يستسقي للمسلمين ويدعو الله تعالى أن يسقيهم الغيث وبين الأسباب الموجبة لتكليف العباس فقال: [اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا - صلى الله عليه وسلم - فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ... ]
-
إن هذا الطلب وهذا الدعاء من عمر يلفت أنظارنا إلى أمرين هامين وهما:
١ - يبين عدوله عن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته إلى غيره.
- ج ١ ص ٢٦٢
٢ - اختياره للعباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - للتوسل إلى الله تعالى بالسقيا.
-
أجل هذان أمران هامان يوحيان غلينا بالتساؤل والبحث عن سبب عدوله عن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عمه العباس - رضي الله عنه - ... أليس الرسول - صلى الله عليه وسلم - أفضل وأعظم عند الله من العباس ... ؟ ثم لماذا اختار العباس من دون الصحابة مع أن فيهم من هو أفضل من العباس كعمر وعثمان وعلي والمبشرين بالجنة وغيرهم ... ؟
-
الجواب: ١ - قبل أن نجيب عن السبب الأول يجب أن نمهد لذلك بسؤال: كيف كانت صفة توسل المسلمين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وماذا كان يعمل رسول الله في مثل هذه المناسبة .. ؟
-
الجواب عن السؤال التمهيدي: عن صفة توسل المسلمين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء معلومة ومعروفة من السنة وهنا نترك المجال لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تروي لنا صفة استسقاء الصحابة بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام: قالت رضي الله عنها:
[شكا الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس
يوماً يخرجون فيه فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم) ) ثم قال: ((الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد. اللهم لا إله إلا أنت. أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت قوة وبلاغاً إلى حين) ) ثم رفع يديه فلم يزل يدعو حتى رئي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله تعالى سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى فلم يأت مسجده حتى سالت السيول فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه فقال: ((أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله) )] رواه الحاكم وصححه أبو داود وقال: هذا حديث غريب وإسناده جيد.
- ج ١ ص ٢٦٣
ثم يحدثنا أنس - رضي الله عنه - فيقول:
[إن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب فقال: يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فرفع رسول الله يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا) ) قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين (سلع) من بيت ولا دار. فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً ثم دخل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) ) فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس] رواه البخاري ومسلم.
-
أتيت لك يا أخي بحديثين يرويان لك صفة استسقاء المسلمين برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلمت منهما أن توسل المسلمين بالنبي عليه الصلاة والسلام في الاستسقاء هو طلب المسلمين منه - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو لم الله أن يسقيهم الغيث ثم استجابة الرسول لذلك فدعا الله أن يغيثهم بالمطر فاستجاب الله دعاء نبيه - صلى الله عليه وسلم - من فضله ومن وكرمه.
-
إذاً فعملية الاستسقاء مؤلفة من عنصرين طلب الدعاء والدعاء بعد أن اطلعت يا أخي على صفة توسل المؤمنين بنبيهم في الاستسقاء أشرع بالإجابة عن السؤال الأول وهو:
لماذا عدل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التوسل بغيره ... ؟ الجواب:
إنك يا أخي علمت قبل قليل أن عملية الاستسقاء مؤلفة من عنصرين: صلب الدعاء والدعاء فلما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد عنصر الدعاء الذي بدونه لا تتم عميلة الاستسقاء بسبب وفاته فداه أبي وأمي فكان لا بد من اختيار شخص حي يدعو للمسلمين بدلاً من دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي التحق بالرفيق الأعلى.
- ج ١ ص ٢٦٤
أما الجواب على السؤال الثاني: لماذا وقع اختيار عمر بن الخطاب على العباس رضي الله عنهما مع أن في الصحابة من يفوق العباس فعلاً وسابقه وصلاحاً؟ الجواب: كان اختيار عمر للعباس رضي الله عنهما من أحل أن العباس أقرب الصحابة نسباً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عمه كما هو معلوم ثم قال عمر للعباس: ((أدع يا عباس) ) فرفع العباس يديه وقال: [اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث] فأرجت كالجبال.
-
فتبين من دعاء العباس ما هي الأسباب الموجبة لاختياره للدعاء مندون الصحابة وهو قوله: [لمكاني من نبيك] أي لقرابته منه - صلى الله عليه وسلم -.
-
فيا أخي المسلم: بعد أن اطلعت على كل ما تقدم ... من مواصفة عملية الاستسقاء واختيار العباس للدعاء ... نسألك هل كان قصد عمر - رضي الله عنه - من قوله [اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ... ] نعم هل كان قصده التوسل بذات المخلوق أم بدعائه؟ الجواب: بل كان قصده دعاءه لا ذاته أي لا ذات العباس إذ لو كان قصده ذات العباس لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل وأعظم وأقرب إلى الله من ذات العباس ولا ريب فثبت أن القصد كان الدعاء ولم يكن ذات الرسول مقصوداً عندما كان حياً ويستسقون به بل كان دعاؤه هو المقصود وإن قول عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا - صلى الله عليه وسلم - فتسقينا. كان قصده من ذلك [دعاء نبينا] ولو كان قصده الذات لما عدل به ذات العباس بل ولقال: اللهم نتوسل إليك بنبينا ... ولم يذكر العباس البتة فقوله: وإنا نتوسل بعمه العباس دليل على قصده بدعاء عمه العباس ولو كان قصد عمر ذات العباس لكان ذات النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرب إلى الإجابة من ذات العباس إذاً: ثبت ثبوتاً قطعياً أن مراد عمر كان منصرفاً إلى دعاء العباس لا ذات العباس هذا ما لا شك فيه ولا ريب ولا اعتقد
ج ١ ص ٢٦٥قط .. أن منصفاً يقول غير ذلك لأن الأمر واضح وضوح الشمس.
-
فإذا كان الأمر كذلك فما بال (القوم ... ) يوردون هذا الحديث حجة لهم على جواز التوسل بذوات المخلوقين مع أن الحجة قائمة لنا في هذا الحديث وليست لهم ولو كان مراد عمر من قوله [وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا] هو ذات العباس لما كان من حاجة إلى قوله: ادع يا عباس فكان يكتفي من قوله بما قال ولما دعا العباس إذ ما من حاجة إلى دعائه إذا كان المراد ذات العباس فالعباس وجميع الصحابة فهموا من قول عمر [وإنا نتوسل بعم نبينا] أي بدعاء عم نبينا ولهذا رفع العباس يديه ثم دعا ... وإن كل ما تقدم من بحث لا يبقى في النفس أي شك أو ريب في أن مراد عمر منحصر في التوسل بدعاء العباس لا التوسل بذاته وإلا - كما قلنا آنفاً - لكان التوسل بذات النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بالتوسل من ذات العباس.
-
وهكذا فقد ثبت أن عمل عمر في الحديث الوارد في الحديث هو من أقسام التوسل المشروع لأنه توسل بدعاء العباس وهو نوع توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن وهو من حججنا التي أوردناها قبل صفحات في مشروعية توسل المؤمن لأخيه المؤمن بدعائه له وكما هو واضح وضوح الشمس أنه لا حجة لنا لا علينا أما إيراده من قبل المخالفين على أنه حجة لهم فإن كل دعوى تحتاج إلى دليل لاثباتها.
-
أما أن تبقى مجردة عن الدليل والبرهان بأن يكون الدليل وارداً في غير محله فهذا لا ينفعهم في شيء وتبقى دعواهم مجردة .. !!!؟ ومجرد الدعوى لا يحق حقاً ولا يبطل باطلاً. وفي هذا بلاغ لقوم يعقلون.
-
ولو أنصفوا هداهم الله لاقتنعوا بما نورد من حجج وإننا نذكرهم بأنفسهم نعم إنهم أنفسهم لما يستسقون يخرجون إلى ظاهر المدينة ويتقدم بل ويقدمون أصلحهم ويكلفونه بالدعاء لهم أن يسقيهم الله الغيث ... فيدعو لهم فهل كانوا يقصدون التوسل بذاته أو بدعائه.؟ لا شك أنهم يقصدون التوسل بدعائه لصلاحه وتقواه وإلا لما كلفوه بالدعاء ولاكتفوا أن يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بذات فلان أن تسقينا ولكن لم يقولوا
ج ١ ص ٢٦٦ذلك ولم يفعلوا غلا التوسل بدعائه فلماذا لا تنكرون على أنفسكم ما تفعلون .. ؟!! ولماذا لا تتوسلون بذات ذلك الصالح كما تحبون أن تفهموا من الحديث الذي أوردتموه .. ؟ فإن كان الذين تدعونه من جواز التوسل بذوات المخلوقين عملاً صالحاً وباراً في نظركم فلم لا تفعلونه في استسقائكم؟ (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟!!) إن على من يأمر الناس بالبر أن يفعله والسلام على من اتبع الهدى.