وما يتعلق بها من الأحكام
٩٦ فقرة، ج ١ ص ٣٧٢
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٣٧٢
(الْوَدِيعَة) مُشْتَقَّة من السّكُون فَكَأَنَّهَا عِنْد الْمُودع سَاكِنة مُسْتَقِرَّة
-
وَقيل: إِنَّهَا مُشْتَقَّة من الدعة فَكَأَنَّهَا فِي دعة عِنْد الْمُودع وَالْأَصْل فِي الْوَدِيعَة: الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
-
أما الْكتاب: فَقَوله تَعَالَى: {إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا} وَقَوله تَعَالَى: {فليؤد الَّذِي اؤتمن أَمَانَته} وَقَوله تَعَالَى: {وَمن أهل الْكتاب من إِن تأمنه بقنطار يؤده إِلَيْك وَمِنْهُم من إِن تأمنه بِدِينَار لَا يؤده إِلَيْك} فَدلَّ على أَن للأمانة أصل فِي الشَّرْع
-
وَأما السّنة: فَمَا رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أد الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنك وَلَا تخن من خانك) أَي لَا تقابله بخيانة
-
وَرُوِيَ (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت عِنْده ودائع بِمَكَّة فَلَمَّا أَرَادَ أَن يُهَاجر تَركهَا عِنْد أم أَيمن
-
وَخلف عليا ليردها على أَهلهَا)
-
وَأما الْإِجْمَاع: فَإِن الْأمة أَجمعت على جَوَاز الْإِيدَاع
-
وَالنَّاس فِي قبُول الْوَدِيعَة على ثَلَاث أضْرب
-
ضرب: يعلم من نَفسه الْقُدْرَة على حفظهَا ويأمن من نَفسه الْخِيَانَة فِيهَا وَلَا يخَاف التّلف عَلَيْهَا إِن لم يقبلهَا
-
فَهَذَا يسْتَحبّ لَهُ قبُولهَا لقَوْله تَعَالَى: {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب} وَلَا
ج ١ ص ٣٧٣يجب عَلَيْهَا قبُولهَا لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة بِهِ إِلَى ذَلِك
-
وَضرب: يجب عَلَيْهِ قبُولهَا وَهُوَ أَن يَأْتِي رجل بِمَال ليودعه فِي مَكَان عِنْد رجل وَلَيْسَ هُنَاكَ من يصلح لحفظها إِلَّا هُوَ
-
وَيعلم أَنه إِن لم يقبل ذَلِك مِنْهُ هلك المَال
-
فَيجب عَلَيْهِ الْقبُول لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (حُرْمَة مَال الْمُؤمن كَحُرْمَةِ دَمه) وَلَو خَافَ على دَمه وَقدر على الدّفع عَنهُ ولوجب عَلَيْهِ ذَلِك
-
وَكَذَلِكَ مَاله
-
فَإِن لم يقبلهَا أَثم لما ذَكرْنَاهُ
-
وَلَا يضمن المَال إِذا تلف لِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهُ تعد فَهُوَ كَمَا لَو قدر على الدّفع عَن نفس غَيره وَلم يدْفع عَنهُ حَتَّى قتل
-
وَضرب: يكره لَهُ قبُولهَا وَهُوَ من يعلم من حَال نَفسه الْعَجز عَن حفظ الْوَدِيعَة أَو لَا يَأْمَن من نَفسه الْخِيَانَة فَلَا يغرر بِمَال غَيره ويعرض نَفسه للضَّمَان
-
فَإِن قبلهَا لم يجب عَلَيْهِ الضَّمَان إِلَّا بِالتَّعَدِّي
-
وَيعْتَبر فِي الْمُودع وَالْمُودع مَا يعْتَبر فِي الْمُوكل وَالْوَكِيل
-
وَلَا بُد من صِيغَة من الْمُودع بِأَن يَقُول: استودعتك هَذَا المَال أَو استحفظتك إِيَّاه أَو استنبتك فِي حفظه
-
وَالْأَظْهَر: أَنه لَا يعْتَبر الْقبُول بِاللَّفْظِ وَيَكْفِي الْقَبْض وَلَو أودعهُ صبي أَو مَجْنُون مَالا لم يقبله
-
فَإِن قبل ضمن
-
وَلَو أودع مَالا عِنْد صبي فَتلف عِنْده لم يضمنهُ
-
وَلَو أتْلفه فَالْأَظْهر: أَنه يضمن وَالسَّفِيه كَالصَّبِيِّ فِي إيداعه
-
وترتفع الْوَدِيعَة بِمَوْت الْمُودع وَالْمُودع وبالجنون وَالْإِغْمَاء
-
وللمودع أَن يستردها مَتى شَاءَ
-
وللمودع كَذَلِك
-
وَالْأَصْل فِي الْوَدِيعَة: الْأَمَانَة
-
وَقد تصير مَضْمُونَة بعوارض
-
مِنْهَا: أَن يودع غَيره بِغَيْر إِذن الْمَالِك من غير عذر
-
فَيضمن
-
وَمِنْهَا: إِذا أودع القَاضِي على وَجه أَنه لَا يضمن
-
وَإِذا لم تزل يَده عَن الْوَدِيعَة فَلَا بَأْس بالاستعانة بِغَيْرِهِ بِأَن يَدْفَعهَا إِلَيْهِ ليحملها إِلَى الْحِرْز أَو ليضعها فِي الخزانة الْمُشْتَركَة بَينهمَا
-
وَإِذا أَرَادَ سفرا فليردها إِلَى الْمُودع أَو وَكيله
-
فَإِن لم يظفر بهما دَفعهَا إِلَى القَاضِي
-
فَإِن لم يجده فَإلَى أَمِين
-
فَإِن دَفنهَا فِي مَوضِع وسافر ضمن إِلَّا أَن يعلم بهَا أَمِين يسكن ذَلِك الْموضع فَلَا
ج ١ ص ٣٧٤يضمن فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ
-
وَلَو سَافر بهَا ضمن إِلَّا إِذا وَقع حريق أَو غَارة وَعجز عَمَّن يَدْفَعهَا إِلَيْهِ عَن مَا ذكرنَا
-
وَوُقُوع الْحَرِيق والإغارة فِي الْبقْعَة وإشراف الْحِرْز على الخراب: أعذار
-
وَإِذا وَقع الْمُودع فِي مرض الْمَوْت: فَيَنْبَغِي أَن يرد الْوَدِيعَة إِلَى الْمَالِك أَو وَكيله وَإِلَّا فيودعها عِنْد الْحَاكِم أَو أَمِين أَو يُوصي بهَا