الفصل الرابع في الاختلاف في وجوبه واستحبابه
٤٥ فقرة، ج ١ ص ١٦٢
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ١٧٧
وَأما قَول الْحسن الْبَصْرِيّ قد أسلم مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاس فَمَا فتش أحدا مِنْهُم فَجَوَابه أَنهم استغنوا عَن التفتيش بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من الْخِتَان فَإِن الْعَرَب قاطبة كلهم كَانُوا يختتنون وَالْيَهُود قاطبة تختتن وَلم يبْق إِلَّا النَّصَارَى وهم فرقتان فرقة تختتن وَفرْقَة لَا تختتن وَقد علم كل من دخل فِي الْإِسْلَام مِنْهُم وَمن غَيرهم أَن شعار الْإِسْلَام الْخِتَان فَكَانُوا يبادرون اليه بعد الْإِسْلَام كَمَا يبادرون إِلَى الْغسْل وَمن كَانَ مِنْهُم كَبِيرا يشق عَلَيْهِ وَيخَاف التّلف سقط عَنهُ وَقد سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن ذَبِيحَة الأقلف
ج ١ ص ١٧٨وَذكر لَهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل فَقَالَ ذَلِك عِنْدِي إِذا ولد بَين أبوين مُسلمين فَكبر وَلم يختتن وَأما الْكَبِير إِذا أسلم وَخَافَ على نَفسه الْخِتَان فَلهُ عِنْدِي رخصَة
-
وَأما قَوْلكُم إِن الْملَّة هِيَ التَّوْحِيد فالملة هِيَ الدّين وَهِي مَجْمُوعَة أَقْوَال وأفعال واعتقاد وَدخُول الْأَعْمَال فِي الْملَّة كدخول الْإِيمَان فالملة هِيَ الْفطْرَة وَهِي الدّين ومحال أَن يَأْمر الله سُبْحَانَهُ بِاتِّبَاع إِبْرَاهِيم فِي مُجَرّد الْكَلِمَة دون الْأَعْمَال وخصال الْفطْرَة وَإِنَّمَا أَمر بمتابعه فِي توحيده وأقواله وأفعاله وَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اختتن امتثالا لأمر ربه الَّذِي أمره بِهِ وابتلاه بِهِ فوفاه كَمَا أَمر فَإِن لم نَفْعل كَمَا فعل لم نَكُنْ متبعين لَهُ وَأما قَوْلكُم فِي حَدِيث عثيم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن جده بِأَنَّهُ من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى فالشافعي كَانَ حسن الظَّن بِهِ وَغَيره يُضعفهُ فَحَدِيثه يصلح للاعتضاد بِحَيْثُ يتقوى بِهِ وَإِن لم يحْتَج بِهِ وَحده وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي مُرْسل الزُّهْرِيّ فَإِذا لم يحْتَج بِهِ وَحده فَإِن هَذِه المرفوعات والموقوفات والمراسيل يشد بَعْضهَا بَعْضًا وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَشبهه
ج ١ ص ١٧٩وَأما قَوْلكُم إِن ابْن عَبَّاس تفرد بقوله فِي الأقلف لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ فَهَذَا قَول صَحَابِيّ وَقد احْتج الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم بأقوال الصَّحَابَة وصرحوا بِأَنَّهَا حجَّة وَبَالغ الشَّافِعِي فِي ذَلِك وَجعل مخالفتها بِدعَة كَيفَ وَلم يحفظ عَن صَحَابِيّ خلاف ابْن عَبَّاس وَمثل هَذَا التَّشْدِيد والتغليظ لَا يَقُوله عَالم مثل ابْن عَبَّاس فِي ترك مَنْدُوب يُخَيّر الرجل بَين فعله وَتَركه
-
وَأما قَوْلكُم إِن الشعائر تَنْقَسِم إِلَى مُسْتَحبّ وواجب فَالْأَمْر كَذَلِك وَلَكِن مثل هَذَا الشعار الْعَظِيم الْفَارِق بَين عباد الصَّلِيب وَعباد الرَّحْمَن الَّذِي لَا تتمّ الطَّهَارَة إِلَّا بِهِ وَتَركه شعار عباد الصَّلِيب لَا يكون إِلَّا من أعظم الْوَاجِبَات
-
وَأما قَوْلكُم أَيْن بَاب الْعُقُوبَات من بَاب الْخِتَان فَنحْن لم نجْعَل ذَلِك أصلا فِي وجوب الْخِتَان بل اعْتبرنَا وجوب أَحدهمَا بِوُجُوب الآخر فَإِن أَعْضَاء الْمُسلم وظهره وَدَمه حمى إِلَّا من حد أَو حق وَكِلَاهُمَا يتَعَيَّن إِقَامَته وَلَا يجوز تعطيله وَأما كشف الْعَوْرَة لَهُ فَلَو لم تكن مصْلحَته أرجح من مفْسدَة كشفها وَالنَّظَر إِلَيْهَا ولمسها لم يجز ارْتِكَاب ثَلَاث مفاسد عَظِيمَة لأمر مَنْدُوب يجوز فعله وَتَركه وَأما المداواة فَتلك من تَمام الْحَيَاة وأسبابها الَّتِي
ج ١ ص ١٨٠لَا بُد للبنية مِنْهَا فَلَو كَانَ الْخِتَان من بَاب المندوبات لَكَانَ بِمَنْزِلَة كشفها لما لَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَهَذَا لَا يجوز
-
وَأما قَوْلكُم إِن الْوَلِيّ يخرج من مَال الصَّبِي أُجْرَة الْمعلم والمؤدب فَلَا ريب أَن تَعْلِيمه وتأديبه حق وَاجِب على الْوَلِيّ فَمَا أخرج مَا لَهُ إِلَّا فِيمَا لَا بُد لَهُ من صَلَاحه فِي دُنْيَاهُ وآخرته مِنْهُ فَلَو كَانَ الْخِتَان مَنْدُوبًا مُحصنا لَكَانَ إِخْرَاجه بِمَنْزِلَة الصَّدَقَة التَّطَوُّع عِنْده وبذله لمن يحجّ عَنهُ حجَّة التَّطَوُّع وَنَحْو ذَلِك وَأما الْأُضْحِية عَنهُ فَهِيَ مُخْتَلف فِي وُجُوبهَا فَمن أوجبهَا لم يخرج مَاله إِلَّا فِي وَاجِب وَمن رَآهَا سنة قَالَ مَا يحصل بهَا من جبر قلبه وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ وتفريحه أعظم من بَقَاء ثمنهَا فِي ملكه