الفصل السابع في حكمة الختان وفوائده

١٠ فقرات، ج ١ ص ١٨٥

  1. الْخِتَان من محَاسِن الشَّرَائِع الَّتِي شرعها الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ ويجمل بهَا محاسنهم الظَّاهِرَة والباطنة فَهُوَ مكمل للفطرة الَّتِي فطرهم عَلَيْهَا وَلِهَذَا كَانَ من تَمام الحنيفبة مِلَّة إِبْرَاهِيم وأصل مَشْرُوعِيَّة الْخِتَان لتكميل الحنيفية فَإِن الله عز وَجل لما عَاهَدَ إِبْرَاهِيم وعده أَن يَجعله للنَّاس إِمَامًا ووعده أَن يكون أَبَا لشعوب كَثِيرَة وَأَن يكون الْأَنْبِيَاء والملوك من صلبه وَأَن يكثر نَسْله وَأخْبرهُ أَنه جَاعل بَينه وَبَين نَسْله عَلامَة الْعَهْد أَن يختنوا كل مَوْلُود مِنْهُم وَيكون عهدي هَذَا ميسما فِي أَجْسَادهم فالختان علم للدخول فِي مِلَّة إِبْرَاهِيم وَهَذَا

    ج ١ ص ١٨٦مُوَافق لتأويل من تَأَول قَوْله تَعَالَى {صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة} الْبَقَرَة ١٣٨ على الْخِتَان

    ج ١ ص ١٨٥
  2. فالختان للحنفاء بِمَنْزِلَة الصَّبْغ والتعميد لعباد الصَّلِيب فهم يطهرون أَوْلَادهم بزعمهم حِين يصبغونهم فِي المعمودية وَيَقُولُونَ الْآن صَار نَصْرَانِيّا فشرع الله سُبْحَانَهُ للحنفاء صبغة الحنيفية وَجعل ميسمها الْخِتَان فَقَالَ {صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة} الْبَقَرَة ١٣٨ وَقد جعل الله سُبْحَانَهُ السمات عَلامَة لمن يُضَاف مِنْهَا إِلَيْهِ الْمعلم بهَا وَلِهَذَا النَّاس يسمون دوابهم ومواشيهم بأنواع السمات حَتَّى يكون مَا يُضَاف مِنْهَا إِلَى كل إِنْسَان مَعْرُوفا بسمته ثمَّ قد تكون هَذِه السمة متوارثة فِي أمة بعد أمة

  3. فَجعل الله سُبْحَانَهُ الْخِتَان علما لمن يُضَاف اليه وَإِلَى دينه وملته وينسب اليه بِنِسْبَة الْعُبُودِيَّة والحنيفية حَتَّى إِذا جهلت حَال إِنْسَان فِي دينه عرف بسمة الْخِتَان ورنكه وَكَانَت الْعَرَب تدعى بِأمة الْخِتَان وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث هِرقل إِنِّي أجد ملك الْخِتَان قد ظهر فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه لَا يهمنك هَذَا فَإِنَّمَا تختتن الْيَهُود فاقتلهم فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك وَإِذا برَسُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد جَاءَ بكتابه فَأمر بِهِ أَن يكْشف وَينظر هَل هُوَ مختون فَوجدَ مختونا

    ج ١ ص ١٨٧فَلَمَّا أخبرهُ أَن الْعَرَب تختتن قَالَ هَذَا ملك هَذِه الْأمة وَلما كَانَت وقْعَة أجنادين بَين الْمُسلمين وَالروم جعل هِشَام بن الْعَاصِ يَقُول يَا معشر الْمُسلمين إِن هَؤُلَاءِ القلف لَا صَبر لَهُم على السَّيْف فَذكرهمْ بشعار عباد الصَّلِيب ورنكهم وَجعله مِمَّا يُوجب إقرام الحنفاء عَلَيْهِم وتطهير الأَرْض مِنْهُم

  4. وَالْمَقْصُود أَن صبغة الله هِيَ الحنيفية الَّتِي صبغت الْقُلُوب بمعرفته ومحبته وَالْإِخْلَاص لَهُ وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وصبغت الْأَبدَان بخصال الْفطْرَة من الْخِتَان والاستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق والسواك والاستنجاء فظهرت فطْرَة الله على قُلُوب الحنفاء وأبدانهم

  5. قَالَ مُحَمَّد بن جرير قي قَوْله تَعَالَى {صبغة الله} يَعْنِي بالصبغة صبغة الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَن النَّصَارَى إِذا أَرَادَت أَن تنصر أطفالهم جعلتهم فِي مَاء لَهُم تزْعم أَن ذَلِك لَهَا تقديس بِمَنْزِلَة غسل الْجَنَابَة لأهل الْإِسْلَام وَأَنه صبغة لَهُم فِي النَّصْرَانِيَّة فَقَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قَالَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى {كونُوا هودا أَو نَصَارَى تهتدوا قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين} إِلَى قَوْله {صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة} الْبَقَرَة ١٣٥ - ١٣٨

    ج ١ ص ١٨٨قَالَ قَتَادَة إِن الْيَهُود تصبغ أبناءها يهودا وَالنَّصَارَى تصبغ أبناءها نَصَارَى وَإِن صبغة الله الْإِسْلَام فَلَا صبغة أحسن من الْإِسْلَام وَلَا أطهر

  6. وَقَالَ مُجَاهِد صبغة الله فطْرَة الله وَقَالَ غَيره دين الله هَذَا مَعَ مَا فِي الْخِتَان من الطَّهَارَة والنظافة والتزيين وتحسين الْخلقَة وتعديل الشَّهْوَة الَّتِي إِذا أفرطت ألحقت الْإِنْسَان بالحيوانات وَإِن عدمت بِالْكُلِّيَّةِ ألحقته بالجمادات فالختان يعدلها وَلِهَذَا تَجِد الأقلف من الرِّجَال والقلفاء من النِّسَاء لَا يشْبع من الْجِمَاع

  7. وَلِهَذَا يذم الرجل ويشتم ويعير بِأَنَّهُ ابْن القلفاء إِشَارَة الى غلمتها وَأي زِينَة أحسن من أَخذ مَا طَال وَجَاوَزَ الْحَد من جلدَة القلفة وَشعر الْعَانَة وَشعر الْإِبِط وَشعر الشَّارِب وَمَا طَال من الظفر فَإِن الشَّيْطَان يختبىء تَحت ذَلِك كُله ويألفه ويقطن فِيهِ حَتَّى إِنَّه ينْفخ فِي إحليل الأقلف وَفرج القلفاء مَا لاينفخ فِي المختون ويختبىء فِي شعر الْعَانَة وَتَحْت الْأَظْفَار فالغرلة أقبح فِي موضعهَا من الظفر الطَّوِيل والشارب الطَّوِيل والعانة الْفَاحِشَة الطول وَلَا يخفى على ذِي الْحس السَّلِيم قبح الغرلة وَمَا فِي إِزَالَتهَا من التحسين والتنظيف والتزيين وَلِهَذَا لما ابتلى الله خَلِيله إِبْرَاهِيم بِإِزَالَة هَذِه الْأُمُور فأتمهن

    ج ١ ص ١٨٩جعله إِمَامًا للنَّاس هَذَا مَعَ مَا فِيهِ من بهاء الْوَجْه وضيائه وَفِي تَركه من الكسفة الَّتِي ترى عَلَيْهِ

  8. وَقد ذكر حَرْب فِي مسَائِله عَن مَيْمُونَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهَا قَالَت للخاتنة إِذا خفضت فأشمي وَلَا تنهكي فَإِنَّهُ أسرى للْوَجْه وأحظى لَهَا عِنْد زَوجهَا

  9. وروى أَبُو دَاوُد عَن أم عَطِيَّة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر ختانه تختن فَقَالَ إِذا ختنت فَلَا تنهكي فَإِن ذَلِك أحظى للْمَرْأَة وَأحب للبعل وَمعنى هَذَا أَن الخافضة إِذا استأصلت جلدَة الْخِتَان ضعفت شَهْوَة الْمَرْأَة فَقلت حظوتها عِنْد زَوجهَا كَمَا أَنَّهَا إِذا تركتهَا كَمَا هِيَ لم تَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا ازدادت غلمتها فَإِذا أخذت مِنْهَا وأبقت كَانَ فِي ذَلِك تعديلا للخلقة والشهوة هَذَا مَعَ أَنه لَا يُنكر أَن يكون قطع هَذِه الْجلْدَة علما على الْعُبُودِيَّة فَإنَّك تَجِد قطع طرف الْأذن وكي الْجَبْهَة وَنَحْو ذَلِك فِي كثير من الرَّقِيق عَلامَة لرقهم وعبوديتهم حَتَّى إِذا أبق رد إِلَى مَالِكه بِتِلْكَ الْعَلامَة فَمَا يُنكر أَن يكون قطع هَذَا الطّرف علما على عبودية صَاحبه لله سُبْحَانَهُ حَتَّى يعرف النَّاس أَن من كَانَ كَذَلِك فَهُوَ من عبيد الله الحنفاء فَيكون الْخِتَان علما لهَذِهِ السّنة الَّتِي

    ج ١ ص ١٩٠لَا أشرف مِنْهَا مَعَ مَا فِيهِ من الطَّهَارَة والنظافة والزينة وتعديل الشَّهْوَة

  10. وَقد ذكر فِي حِكْمَة خفض النِّسَاء أَن سارة لما وهبت هَاجر لإِبْرَاهِيم أَصَابَهَا فَحملت مِنْهُ فغارت سارة فَحَلَفت لتقطعن مِنْهَا ثَلَاثَة أَعْضَاء فخاف إِبْرَاهِيم أَن تجدع أنفها وتقطع أذنها فَأمرهَا بثقب أذنيها وختانها وَصَارَ ذَلِك سنة فِي النِّسَاء بعد وَلَا يُنكر هَذَا كَمَا كَانَ مبدأ السَّعْي سعي هَاجر بَين جبلين تبتغي لابنها الْقُوت وكما كَانَ مبدأ الْجمار حصب إِسْمَاعِيل للشَّيْطَان لما ذهب مَعَ أَبِيه فشرع الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ تذكرة وإحياء لسنة خَلِيله وَإِقَامَة لذكره وإعظاما لعبوديته وَالله أعلم