الباب السابع عشر في أطوار ابن آدم من وقت كونه نطفة إلى استقراره في الجنة أو النار
١٥٧ فقرة، ج ١ ص ٢٤٥
الصفحة ٢ من ٤
- ج ١ ص ٢٦٥
فَذكر الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن أبي حَرْب بن أبي الْأسود الديلِي أَن عمر أُتِي بِامْرَأَة قد ولدت لسِتَّة أشهر فهم عمر برجمها فَبلغ ذَلِك عليا رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهَا رجم فَبلغ ذَلِك عمر فَأرْسل إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ {والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة} الْبَقَرَة ٢٣٣ وَقَالَ {وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا} الْأَحْقَاف ١٥ فستة أشهر حمله وحولان تَمام الرضَاعَة لَا حد عَلَيْهِمَا فخلى عَنْهَا
ج ١ ص ٢٦٦وَفِي موطأ مَالك أَنه بلغه أَن عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ أُتِي بِامْرَأَة قد ولدت فِي سِتَّة أشهر فَأمر بهَا أَن ترْجم فَقَالَ عَليّ لَيْسَ ذَلِك عَلَيْهَا قَالَ الله تَعَالَى {وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا} وَقَالَ {وفصاله فِي عَاميْنِ} فَأمر بهَا عُثْمَان أَن ترد فَوَجَدَهَا قد رجمت
-
وَذكر دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَقُول إِذا ولدت الْمَرْأَة لتسعة أشهر كفاها من الرَّضَاع أحد وَعِشْرُونَ شهرا وَإِذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرَّضَاع ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ شهرا وَإِذا وضعت لسِتَّة أشهر كفاها من الرَّضَاع أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ شهرا كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا} انْتهى كَلَامه
ج ١ ص ٢٦٧وَقَالَ الله تَعَالَى {الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى وَمَا تغيض الْأَرْحَام وَمَا تزداد} الرَّعْد ٨
-
قَالَ ابْن عَبَّاس {وَمَا تغيض الْأَرْحَام} مَا تنقص عَن تِسْعَة أشهر {وَمَا تزداد} وَمَا تزيد عَلَيْهَا وَوَافَقَهُ على هَذَا أَصْحَابه كمجاهد وَسَعِيد ابْن جُبَير وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضا إِذا حَاضَت الْمَرْأَة على وَلَدهَا كَانَ ذَلِك نُقْصَانا من الْوَلَد وَمَا تزداد قَالَ إِذا زَادَت على تِسْعَة أشهر كَانَ ذَلِك تَمامًا لما نقص من وَلَدهَا وَقَالَ أَيْضا الغيض مَا رَأَتْ الْحَامِل من الدَّم فِي حملهَا وَهُوَ نُقْصَان من الْوَلَد وَالزِّيَادَة مَا زَاد على التسمة أشهر وَهُوَ تَمام النُّقْصَان
-
وَقَالَ الْحسن مَا تغيض الْأَرْحَام مَا كَانَ من سقط وَمَا تزداد الْمَرْأَة تَلد لعشرة أشهر وَقَالَ عِكْرِمَة تغيض الْأَرْحَام الْحيض بعد الْحمل فَكل يَوْم رَأَتْ فِيهِ الدَّم حَامِلا ازْدَادَ بِهِ فِي الْأَيَّام طَاهِرا فَمَا حَاضَت يَوْمًا إِلَّا ازدادت فِي الْحمل يَوْمًا
-
وَقَالَ قَتَادَة الغيض السقط وَمَا تزداد فَوق التِّسْعَة أشهر
-
وَقَالَ سعيد بن جُبَير إِذا رَأَتْ الْمَرْأَة الدَّم على الْحمل فَهُوَ الغيض للْوَلَد فَهُوَ نُقْصَان فِي غذَاء الْوَلَد وَزِيَادَة فِي الْحمل تغيض وتزداد فعلان متعديان مفعولهما مَحْذُوف وَهُوَ الْعَائِد على مَا الموصولة والغيض النُّقْصَان وَمِنْه {وغيض المَاء} (هود ٤٤) وضده الزياده
ج ١ ص ٢٦٨وَالتَّحْقِيق فِي معنى الْآيَة أَنه يعلم مُدَّة الْحمل وَمَا يعرض فِيهَا من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَهُوَ الْعَالم بذلك دونكم كَمَا هُوَ الْعَالم بِمَا تحمل كل أُنْثَى هَل هُوَ ذكر أَو أُنْثَى
-
وَهَذَا أحد أَنْوَاع الْغَيْب الَّتِي لَا يعلمهَا إِلَّا الله كَمَا فِي الصَّحِيح عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَفَاتِيح الْغَيْب خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله لَا يعلم مَتى تَجِيء السَّاعَة إِلَّا الله وَلَا يعلم مَا فِي غَد إِلَّا الله وَلَا يعلم مَتى يَجِيء الْغَيْث إِلَّا الله وَلَا يعلم مَا فِي الْأَرْحَام إِلَّا الله وَلَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِلَّا الله
-
فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُنْفَرد بِعلم مَا فِي الرَّحِم وَعلم وَقت إِقَامَته فِيهِ وَمَا يزِيد من بدنه وَمَا ينقص وَمَا عدا هَذَا القَوْل فَهُوَ من توابعه ولوازمه كالسقط والتام ورؤية الدَّم وانقطاعه وَالْمَقْصُود ذكر مُدَّة إِقَامَة الْحمل فِي الْبَطن وَمَا يتَّصل بهَا من زِيَادَة ونقصان
-
فصل
-
وَأما أقصاها فَقَالَ ابْن الْمُنْذر اخْتلف أهل الْعلم فِي ذَلِك فَقَالَت طَائِفَة أقْصَى مدَّته سنتَانِ وَرُوِيَ هَذَا القَوْل عَن عَائِشَة وَرُوِيَ عَن الضَّحَّاك
ج ١ ص ٢٦٩وهرم بن حَيَّان أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا أَقَامَ فِي بطن أمه سنتَيْن وَهَذَا قَول سُفْيَان الثَّوْريّ
-
وَفِيه قَول ثَان وَهُوَ أَن مُدَّة الْحمل قد تكون ثَلَاث سِنِين روينَا عَن اللَّيْث بن سعد أَنه قَالَ حملت مولاة لعمر بن عبد الله ثَلَاث سِنِين وَفِيه قَول ثَالِث أَن أقْصَى مدَّته أَربع سِنِين هَكَذَا قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله
-
قلت وَعَن الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله رِوَايَتَانِ أَنه أَربع سِنِين وَالثَّانيَِة سنتَانِ قَالَ وَاخْتلف فِيهِ عَن مَالك فَالْمَشْهُور عَنهُ عِنْد أَصْحَابه مثل مَا قَالَ الشَّافِعِي وَحكى ابْن الْمَاجشون عَنهُ ذَلِك ثمَّ رَجَعَ لما بلغه قصَّة الْمَرْأَة الَّتِي وضعت لخمس سِنِين وَفِيه قَول آخر أَن مُدَّة الْحمل قد تكون خمس سِنِين حُكيَ عَن عباد بن الْعَوام أَنه قَالَ ولدت امْرَأَة مَعنا فِي الدَّار لخمس سِنِين قَالَ فولدته وشعره يضْرب إِلَى هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى الْعُنُق قَالَ وَمر بِهِ طير فَقَالَ هش وَقد حُكيَ عَن ابْن عجلَان أَن امْرَأَته كَانَت تحمل خمس سِنِين
-
وَفِيه قَول خَامِس قَالَ الزُّهْرِيّ أَن الْمَرْأَة تحمل سِتّ سِنِين وَسبع سِنِين فَيكون وَلَدهَا مخشوشا فِي بَطنهَا قَالَ وَقد أَتَى سعيد بن مَالك بِامْرَأَة حملت سبع سِنِين
-
وَقَالَت فرقة لَا يجوز فِي هَذَا الْبَاب التَّحْدِيد والتوقيت بِالرَّأْيِ لأَنا
ج ١ ص ٢٧٠وجدنَا لأدنى الْحمل أصلا فِي تَأْوِيل الْكتاب وَهُوَ الْأَشْهر السِّتَّة فَنحْن نقُول بِهَذَا ونتبعه وَلم نجد لآخره وقتا وَهَذَا قَول أبي عبيد وَدفع بِهَذَا حَدِيث عَائِشَة وَقَالَ الْمَرْأَة الَّتِي روته عَنْهَا مَجْهُولَة وَأجْمع كل من يحفظ عَنهُ من أهل الْعلم أَن الْمَرْأَة إِذا جَاءَت بِولد لأَقل من سِتَّة أشهر من يَوْم تزَوجهَا الرجل أَن الْوَلَد غير لَا حق بِهِ فان جَاءَت بِهِ لسِتَّة أشهر من يَوْم نَكَحَهَا فَالْوَلَد لَهُ وَهَذَا وَأَمْثَاله يدل على أَن الطبيعة الَّتِي هِيَ مُنْتَهى سير الطبائعيين لَهَا رب قاهر قَادر يتَصَرَّف فِيهَا بمشيئته وينوع فِيهَا خلقه كَمَا يَشَاء ليدل من لَهُ عقل على وجوده ووحدانيته وصفات كَمَاله ونعوت جَلَاله وَإِلَّا فَمن أَيْن فِي الطبيعة الْمُجَرَّدَة هَذَا الِاخْتِلَاف الْعَظِيم والتباين الشَّديد وَمن أَيْن فِي الطبيعة خلق هَذَا النَّوْع الإنساني على أَرْبَعَة أضْرب
-
أَحدهمَا لَا من ذكر وَلَا من أُنْثَى كآدم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الثَّانِي من ذكر بِلَا أُنْثَى كحواء صلوَات الله عَلَيْهَا الثَّالِث من أُنْثَى بِلَا ذكر كالمسيح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّابِع من ذكر وَأُنْثَى كَسَائِر النَّوْع وَمن أَيْن فِي الطبيعة وَالْقُوَّة هَذَا التَّرْكِيب وَالتَّقْدِير والتشكيل وَهَذِه الْأَعْضَاء والرباطات والقوى والمنافذ والعجائب الَّتِي ركبت فِي هَذِه النُّطْفَة المهينة لَوْلَا بَدَائِع صنع الله مَا وجدت تِلْكَ الْعَجَائِب فِي مستقذر المَاء {يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك}
- ج ١ ص ٢٧١
الانفطار ٦ _ ٨ {إِن الله لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء هُوَ الَّذِي يصوركم فِي الْأَرْحَام كَيفَ يَشَاء لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم} آل عمرَان ٥ و ٦ لقد دلّ سُبْحَانَهُ على نَفسه أوضح دلَالَة بِمَا أشهده كل عبد على نَفسه من حَاله وحدوثه وإتقان صنعه وعجائب خلقه وآيات قدرته وشواهد حكمته فِيهِ
-
وَلَقَد دَعَا سُبْحَانَهُ الْإِنْسَان إِلَى النّظر فِي مبدإ خلقه وَتَمَامه فَقَالَ تَعَالَى {فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق خلق من مَاء دافق يخرج من بَين الصلب والترائب} الطارق ٦ _ ٧ وَقَالَ {يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة مخلقة وَغير مخلقة لنبين لكم ونقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء إِلَى أجل مُسَمّى ثمَّ نخرجكم طفْلا ثمَّ لتبلغوا أَشدّكُم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر لكيلا يعلم من بعد علم شَيْئا} الْحَج ٥
-
وَقَالَ تَعَالَى {وَفِي الأَرْض آيَات للموقنين وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون} الذاريات ٢٠ _ ٢١ وَهَذَا فِي الْقُرْآن كثير لمن تدبره وعقله وَهُوَ شَاهد مِنْك عَلَيْك فَمن أَيْن للطبيعة وَالْقُوَّة المحصورة هَذَا الْخلق والإتقان والإبداع وتفصيل تِلْكَ الْعِظَام وَشد بَعْضهَا بِبَعْض على اخْتِلَاف أشكالها ومقاديرها ومنافعها وصفاتها وَمن جعل فِي النُّطْفَة
ج ١ ص ٢٧٢تِلْكَ الْعُرُوق وَاللَّحم والعصب وَمن فتح لَهَا تِلْكَ الْأَبْوَاب والمنافذ وَمن شقّ سَمعهَا وبصرها وَمن ركب فِيهَا لِسَانا تنطق بِهِ وعينين تبصر بهما وأذنين تسمع بهما وشفتين وَمن أودع فِيهَا الصَّدْر وَمَا حواه من الْمَنَافِع والآلات الَّتِي لَو شاهدتها لرأيت الْعَجَائِب
-
وَمن جعل هُنَاكَ حوضا وخزانة يجْتَمع فِيهَا الطَّعَام وَالشرَاب وسَاق إِلَيْهِ مجاري وطرقا ينفذ فِيهَا فيسقي جَمِيع أَجزَاء الْبدن كل جُزْء يشرب من مجْرَاه الَّذِي يخْتَص بِهِ لَا يتعداه {قد علم كل أنَاس مشربهم} الْبَقَرَة ٦٠ وَمن أَخذ مِنْهَا تِلْكَ القوى الَّتِي بهَا تمت مصالحها ومنافعها وَمن أودع فِيهَا الْعُلُوم الدقيقة والصنائع العجيبة وَعلمهَا مَا لم تكن تعلم وألهمها فجورها وتقواها ونقلها فِي أطوار التخليق طورا بعد طور وطبقا بعد طبق إِلَى أَن صَارَت شخصا حَيا ناطقا سميعا بَصيرًا عَالما متكلما آمرا ناهيا مسلطا على طير السَّمَاء وحيتان المَاء ووحوش الفلوات عَالما بِمَا لَا يُعلمهُ غَيره من الْمَخْلُوقَات {قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أَمَاتَهُ فأقبره ثمَّ إِذا شَاءَ أنشره} عبس ٢٢ - ١٥
-
فصل
-
وَقد زعم طَائِفَة مِمَّن تكلم فِي خلق الْإِنْسَان أَنه إِنَّمَا يعْطى السّمع وَالْبَصَر بعد وِلَادَته وَخُرُوجه من بطن أمه وَاحْتج بقوله تَعَالَى {وَالله أخرجكم}
- ج ١ ص ٢٧٣
من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون) النَّحْل ٧٧ وَاحْتج أَنه فِي بطن الْأُم لَا يرى شَيْئا وَلَا يسمع صَوتا فَلم يكن لإعطائه السّمع وَالْبَصَر هُنَاكَ فَائِدَة
-
وَلَيْسَ مَا قَالَه صَحِيحا وَلَا حجَّة لَهُ فِي الْآيَة لِأَن الْوَاو لَا تَرْتِيب فِيهَا بل الْآيَة حجَّة عَلَيْهِ فَإِن فُؤَاده مَخْلُوق وَهُوَ فِي بطن أمه وَقد تقدم حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد وَالصَّحِيح إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصورها وَخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها ولحمها وَهَذَا وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ الْعين وَالْأُذن فالقوة السامعة والباصرة مودوعة فِيهَا وَأما الْإِدْرَاك بِالْفِعْلِ فَهُوَ مَوْقُوف على زَوَال الْحجاب الْمَانِع مِنْهُ فَلَمَّا زَالَ بِالْخرُوجِ من الْبَطن عمل الْمُقْتَضى عمله وَالله أعلم
-
فصل
-
فِي ذكر أَحْوَال الْجَنِين بعد تحريكه وانقلابه عِنْد تَمام نصف السّنة يعرض للجنين فِي هَذَا الْوَقْت أَن يهتك غشاؤه والحجب الَّتِي عَلَيْهِ وَأَن ينْتَقل عَن مَكَانَهُ نَحْو فَم الرَّحِم فَإِن كَانَ الْجَنِين قَوِيا وَكَانَت أغشيته الَّتِي تغشيه وسرته أَضْعَف تمّ الولاد وَإِن كَانَ الْجَنِين ضَعِيفا وأغشيته وسرته أقوى فإمَّا أَن يهتكها بعض الهتك وَلَا يُولد فَيبقى مَرِيضا أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى تَمام آخر الشَّهْر الثَّامِن
ج ١ ص ٢٧٤فَإِن ولد فِي هَذِه الْأَرْبَعين يَوْمًا مَاتَ وَلم يُمكن تَرْبِيَته وَلَا بَقَاؤُهُ وَإِن هُوَ هتك أغشيته كل الهتك حَتَّى يُمكن تلافي ذَلِك وَلم يُولد مَاتَ فَإِن لم يسْقط والا قتل الْحَامِل بِهِ وَإِن تهتك أغشيته هتكا يُمكن تلافيه بَقِي وَلم يمت وَمكث فِي مَوْضِعه الَّذِي تحرّك نَحوه وانقلب إِلَيْهِ عِنْد فَم الْفرج وَإِنَّمَا يعرض لَهُم الْمَرَض فِي هَذِه الْأَرْبَعين يَوْمًا إِذا لم يولدوا بعد تحركهم لأَنهم يَنْقَلِبُون عَن مكانهم الَّذِي نشؤوا فِيهِ وتتغير مواضعهم وانخلاع السُّرَّة بانتقاله وَلِأَن أمهاتهم يعرض لَهُنَّ أَن يمرضن عِنْد ذَلِك لتمدد الأغشية وانخلاع السُّرَّة الْمُتَّصِلَة بالرحم مِنْهُنَّ وَلِأَن الْجَنِين إِذا انحل رباطه ثقل على أمه
-
فصل
-
فِي سَبَب الشّبَه لِلْأَبَوَيْنِ أَو أَحدهمَا وَسبب الإذكار والإيناث وَهل لَهما عَلامَة وَقت الْحمل أم لَا
-
تقدم ذكر قَوْله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي يصوركم فِي الْأَرْحَام كَيفَ يَشَاء} آل عمرَان ٦
-
وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ أَن أم سليم سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْمَرْأَة ترى فِي منامها مَا يرى الرجل فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا رَأَتْ الْمَرْأَة ذَلِك فلتغتسل فَقَالَ أم سليم واستحيت من ذَلِك وَهل يكون
ج ١ ص ٢٧٥هَذَا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نعم فَمن أَيْن يكون الشّبَه مَاء الرجل غليظ أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة رَقِيق أصفر فَمن أَيهمَا علا أَو سبق يكون مِنْهُ الشّبَه
-
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عَائِشَة أَن الْمَرْأَة قَالَت لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل تَغْتَسِل الْمَرْأَة إِذا حملت فَأَبْصَرت المَاء فَقَالَ نعم فَقَالَت لَهَا عَائِشَة تربت يداك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دعيها وَهل يكون الشّبَه إِلَّا من قبل ذَلِك إِذا علا مَاؤُهَا مَاء الرجل أشبه الْوَلَد أَخْوَاله وَإِذا علا مَاء الرجل ماءها أشبه أَعْمَامه
-
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ثَوْبَان قَالَ كنت قَائِما عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجَاء حبر من أَحْبَار الْيَهُود فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا مُحَمَّد فَدَفَعته دفْعَة كَاد يصرع مِنْهَا فَقَالَ لم تدفعني فَقلت أَلا تَقول يَا رَسُول الله فَقَالَ الْيَهُودِيّ إِنَّمَا نَدْعُوهُ باسمه الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهله فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْمِي مُحَمَّد الَّذِي سماني بِهِ أَهلِي فَقَالَ الْيَهُودِيّ جِئْت أَسأَلك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أينفعك شبى إِن حدثتك فَقَالَ أسمع بأذني
ج ١ ص ٢٧٦فَنكتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعُود مَعَه فَقَالَ سل فَقَالَ الْيَهُودِيّ أَيْن يكون النَّاس حِين تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هم فِي الظلمَة دون الجسر فَقَالَ فَمن أول النَّاس إجَازَة يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فُقَرَاء الْمُهَاجِرين قَالَ الْيَهُودِيّ فَمَا تحفتهم حِين يدْخلُونَ الْجنَّة قَالَ زِيَادَة كبد النُّون قَالَ فَمَا غذاؤهم على إثْرهَا قَالَ ينْحَر لَهُم ثَوْر الْجنَّة الَّذِي كَانَ يَأْكُل من أطرافها قَالَ فَمَا شرابهم عَلَيْهِ قَالَ عينا فِيهَا تسمى سلسبيلا قَالَ صدقت قَالَ أردْت أَن أَسأَلك عَن شَيْء لَا يُعلمهُ أحد من أهل الأَرْض إِلَّا نَبِي أَو رجل أَو رجلَانِ قَالَ ينفعك إِن حدثتك قَالَ أسمع بأذني قَالَ جِئْت أَسأَلك عَن الْوَلَد قَالَ مَاء الرجل أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة أصفر فَإِذا اجْتمعَا فعلا مني الرجل مني الْمَرْأَة أذكر بِإِذن الله وَإِذا علا مني الْمَرْأَة مني الرجل آنثا بِإِذن الله تَعَالَى فَقَالَ الْيَهُودِيّ لقد صدقت وَإنَّك لنَبِيّ ثمَّ انْصَرف فَذهب فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقد سَأَلَني عَن الَّذِي سَأَلَني عَنهُ وَمَالِي علم بِشَيْء مِنْهُ حَتَّى أَتَانِي الله عز وَجل بِهِ
-
وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه
ج ١ ص ٢٧٧عَن عبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود قَالَ مر يَهُودِيّ برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يحدث أَصْحَابه فَقَالَ رجل من قُرَيْش يَا يَهُودِيّ إِن هَذَا يزْعم أَنه نَبِي فَقَالَ لأسألنه عَن شَيْء لَا يُعلمهُ إِلَّا نَبِي فجَاء حَتَّى جلس ثمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد مم يخلق الْإِنْسَان قَالَ يَا يَهُودِيّ من كل يخلق من نُطْفَة الرجل وَمن نُطْفَة الْمَرْأَة فَأَما نُطْفَة الرجل فنطفة غَلِيظَة مِنْهَا الْعظم والعصب وَأما نُطْفَة الْمَرْأَة نُطْفَة الْمَرْأَة فنطفة رقيقَة مِنْهَا اللَّحْم وَالدَّم فَقَامَ الْيَهُودِيّ فَقَالَ هَكَذَا كَانَ يَقُول من قبلك
-
فتضمنت هَذِه الْأَحَادِيث أمورا أَحدهَا أَن الْجَنِين يخلق من مَاء الرجل وَمَاء الْمَرْأَة خلافًا لمن يزْعم من الطبائعيين أَنه إِنَّمَا يخلق من مَاء الرجل وَحده وَقد قَالَ تَعَالَى {فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق خلق من مَاء دافق يخرج من بَين الصلب والترائب} الطارق ٧ - ٥ قَالَ الزّجاج قَالَ أهل اللُّغَة التربية مَوضِع القلادة من الصَّدْر وَالْجمع ترائب وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الترائب مُعَلّق الْحلِيّ من الصَّدْر وَهُوَ قَول جَمِيع أهل اللُّغَة وَقَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس يُرِيد صلب الرجل وترائب الْمَرْأَة وَهُوَ مَوضِع قلادتها
ج ١ ص ٢٧٨وَهَذَا قَول الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل وسُفْيَان وَجُمْهُور أهل التَّفْسِير وَهُوَ المطابق لهَذِهِ الْأَحَادِيث وَبِذَلِك أجْرى الله الْعَادة فِي أيجاد مَا يوجده من بَين أصلين كالحيوان والنبات وَغَيرهمَا من الْمَخْلُوقَات فالحيوان ينْعَقد من مَاء الذّكر وَمَاء الْأُنْثَى كَمَا ينْعَقد النَّبَات من المَاء وَالتُّرَاب والهواء وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى {بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة} الْأَنْعَام ١: ١ فَإِن الْوَلَد لَا يتكون إِلَّا من بَين الذّكر وصاحبته وَلَا ينْتَقض هَذَا بِآدَم وحواء أبوينا وَلَا بالمسيح فَإِن الله سُبْحَانَهُ مزج تُرَاب آدم بِالْمَاءِ حَتَّى صَار طينا ثمَّ أرسل عَلَيْهِ الْهَوَاء وَالشَّمْس حَتَّى صَار كالفخار ثمَّ نفخ فِيهِ الرّوح وَكَانَت حَوَّاء مستلة مِنْهُ وجزءا من أَجْزَائِهِ والمسيح خلق من مَاء مَرْيَم ونفخة الْملك وَكَانَت النفخة لَهُ كَالْأَبِ لغيره
-
فصل
-
الْأَمر الثَّانِي إِن سبق أحد المائين سَبَب لشبه السَّابِق مَاؤُهُ وعلو أَحدهمَا سَبَب لمجانسة الْوَلَد للعالي مَاؤُهُ فها هُنَا أَمْرَانِ سبق وعلو وَقد يتفقان وَقد يفترقان فَإِن سبق مَاء الرجل مَاء الْمَرْأَة وعلاه كَانَ الْوَلَد ذكرا والشبه للرجل وَإِن سبق مَاء الْمَرْأَة وَعلا مَاء الرجل كَانَت أُنْثَى والشبه للْأُم وَإِن سبق أَحدهمَا وَعلا الآخر كَانَ الشّبَه للسابق مَاؤُهُ والإذكار والإيناث لمن علا مَاؤُهُ
ج ١ ص ٢٧٩وَيشكل على هَذَا أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن الإذكار والإيناث لَيْسَ لَهُ سَبَب طبيعي وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَند إِلَى مَشِيئَة الْخَالِق سُبْحَانَهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح فَيَقُول الْملك يَا رب أذكر أم أُنْثَى فَمَا الرزق فَمَا الْأَجَل شقي أم سعيد فَيَقْضِي الله مَا يَشَاء وَيكْتب الْملك فكون الْوَلَد ذكر أَو أُنْثَى مُسْتَند إِلَى تَقْدِير الخلاق الْعَلِيم كالشقاوة والسعادة والرزق وَالْأَجَل وَأما حَدِيث ثَوْبَان فَانْفَرد بِهِ مُسلم وَحده وَالَّذِي فِي صَحِيح البُخَارِيّ إِنَّمَا هُوَ الشّبَه وَسَببه علو مَاء أَحدهمَا أَو سبقه وَلِهَذَا قَالَ فَمن أَيهمَا علاأو سبق يكون الشّبَه لَهُ
-
الْأَمر الثَّانِي أَن الْقَافة مبناها على شبه الْوَاطِئ لَا على شبه الْأُم وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ولد الْمُلَاعنَة انظروها فَإِن جَاءَت بِهِ على نعت كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِشَرِيك بن السمحاء يَعْنِي الَّذِي رميت بِهِ وَإِن جَاءَت بِهِ على نعت كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لهِلَال بن أُميَّة فَاعْتبر شبه الْوَاطِئ وَلم يعْتَبر شبه الْأُم وَيُجَاب عَن هذَيْن الإشكالين
-
أما الأول فَإِن الله سُبْحَانَهُ قدر مَا قدره من أَمر النُّطْفَة من حِين وَضعهَا فِي الرَّحِم إِلَى آخر أحوالها بِأَسْبَاب قدرهَا حَتَّى الشقاوة والسعادة
ج ١ ص ٢٨٠والرزق وَالْأَجَل والمصيبة كل ذَلِك بِأَسْبَاب قدرهَا وَلَا يُنكر أَن يكون للإذكار والإيناث أَسبَاب كَمَا للشبه أَسبَاب لكَون السَّبَب غير مُوجب لمسببه بل إِذا شَاءَ الله جعل فِيهِ اقتضاءه وَإِذا شَاءَ سلبه اقتضاءه وَإِذا شَاءَ رتب عَلَيْهِ ضد مَا هُوَ سَبَب لَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يفعل هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة فالموجب مَشِيئَة الله وَحده فالسبب متصرف فِيهِ لَا متصرف مَحْكُوم عَلَيْهِ لَا حَاكم مُدبر وَلَا مُدبر فَلَا تضَاد بَين قيام سَبَب الإذكار والإيناث وسؤال الْملك ربه تَعَالَى أَي الْأَمريْنِ يحدثه فِي الْجَنِين وَلِهَذَا أخبر سُبْحَانَهُ أَن الإذكار والإيناث وجمعهما هبة محضه مِنْهُ سُبْحَانَهُ رَاجع إِلَى مشيئه وَعلمه وَقدرته
-
فَإِن قيل فَقَوْل الْملك يَا رب أذكر أم أُنْثَى مثل قَوْله مَا الرزق وَمَا الْأَجَل وَهَذَا لَا يسْتَند إِلَى سَبَب من الْوَاطِئ وَإِن كَانَ يحصل بِأَسْبَاب غير ذَلِك قيل نعم لَا يسْتَند الإذكار والإيناث إِلَى سَبَب مُوجب من الْوَطْء وَغَايَة مَا هُنَاكَ أَن ينْعَقد جُزْء من أَجزَاء السَّبَب تَمام السَّبَب من أُمُور خَارِجَة عَن الزَّوْجَيْنِ وَيَكْفِي فِي ذَلِك أَنه إِن لم يَأْذَن الله باقتضاء السَّبَب لمسببه لم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فاستناد الإذكار والإيناث إِلَى مَشِيئَته سُبْحَانَهُ لَا يُنَافِي حُصُول السَّبَب وكونهما بِسَبَب لَا يُنَافِي استنادهما إِلَى الْمَشِيئَة وَلَا يُوجب الِاكْتِفَاء بِالسَّبَبِ وَحده
ج ١ ص ٢٨١وَأما تفرد مُسلم بِحَدِيث ثَوْبَان فَهُوَ كَذَلِك والْحَدِيث صَحِيح لَا مطْعن فِيهِ وَلَكِن فِي الْقلب من ذكر الإيناث والإذكار فِيهِ شَيْء هَل حفظت هَذِه اللَّفْظَة أَو هِيَ غير مَحْفُوظَة وَالْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ الشّبَه كَمَا ذكر فِي سَائِر الْأَحَادِيث الْمُتَّفق على صِحَّتهَا فَهَذَا مَوضِع نظر كَمَا ترى وَالله أعلم
-
فصل
-
وَأما الْأَمر الثَّالِث وَهُوَ اعْتِبَار الْقَائِف لشبه الْأَب دون الْأُم فَذَلِك لِأَن كَون الْوَلَد من الْأُم أَمر مُحَقّق لَا يعرض فِيهِ اشْتِبَاه سَوَاء أشبههَا أَو لم يشبهها وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى الْقَافة فِي دَعْوَى الْآبَاء وَلِهَذَا يلْحق بأبوين عِنْد أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأكْثر فُقَهَاء الحَدِيث وَلَا يلْحق بأمين فَإِذا ادَّعَاهُ أَبَوَانِ أرِي الْقَافة فَألْحق بِمن كَانَ الشّبَه لَهُ إِذا لم يكن ثمَّ فرَاش فَإِن كَانَ هُنَاكَ فرَاش لم يلْتَفت إِلَى مُخَالفَة الشّبَه لَهُ فالشبه دَلِيل عِنْد عدم مُعَارضَة مَا هُوَ أقوى مِنْهُ من الْفراش وَالْبَيِّنَة نعم لَو ادَّعَاهُ امْرَأَتَانِ أرِي الْقَافة فَألْحق بِمن كَانَ أشبه بهَا مِنْهُمَا فعملنا بالشبه فِي الْمَوْضِعَيْنِ