مسألة

١٩ فقرة، ج ١ ص ٥٣١

  1. لَيْسَ كل مُجْتَهد فِي العقليات مصيبا بل الْحق فِيهَا وَاحِد فَمن أَصَابَهُ أصَاب وَمن اخطأه اخطأ وأثم بِالْإِجْمَاع كَمَا قَالَه الْآمِدِيّ

    ج ١ ص ٥٣١
  2. وَأما الْمُجْتَهد فِي الْمسَائِل الفرعية فَفِيهِ خلاف يَنْبَنِي على أَن كل صُورَة هَل لَهَا حكم معِين أم لَا

    ج ١ ص ٥٣٢وَقد لخص الإِمَام فَخر الدّين هَذَا الْخلاف فَقَالَ اخْتلف الْعلمَاء فِي الْوَاقِعَة الَّتِي لَا نَص فِيهَا على قَوْلَيْنِ

  3. أَحدهمَا وَبِه قَالَ الْأَشْعَرِيّ وَالْقَاضِي وَجُمْهُور الْمُتَكَلِّمين أَنه لَيْسَ لله تَعَالَى قبل الِاجْتِهَاد حكم معِين بل حكمه تَعَالَى فِيهَا تَابع لظن الْمُجْتَهد وَهَؤُلَاء هم الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ بَعضهم لَا بُد أَن يُوجد فِي الْوَاقِعَة مَا لَو حكم الله تَعَالَى فِيهَا بِحكم لم يحكم إِلَّا بِهِ وَهَذَا هُوَ القَوْل بالأشبه وَقَالَ بَعضهم لَا يشْتَرط ذَلِك

  4. وَالْقَوْل الثَّانِي أَن لَهُ تَعَالَى فِي كل وَاقعَة حكما معينا وعَلى هَذَا فَثَلَاثَة أَقْوَال

  5. أَحدهَا وَهُوَ قَول طَائِفَة من الْفُقَهَاء والمتكلمين حصل الحكم من غير دلَالَة وَلَا أَمارَة بل هُوَ كدفين يعثر عَلَيْهِ الطَّالِب اتِّفَاقًا فَمن وجده فَلهُ أَجْرَانِ وَمن اخطأه فَلهُ اجْرِ

  6. وَالْقَوْل الثَّانِي عَلَيْهِ أَمارَة أَي دَلِيل ظَنِّي والقائلون بِهِ اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم لم يُكَلف الْمُجْتَهد بإصابته لخفائه وغموضه فَلذَلِك كَانَ المخطىء فِيهِ مَعْذُورًا مأجورا وَهُوَ قَول جُمْهُور الْفُقَهَاء وينسب إِلَى الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة

  7. وَقَالَ بَعضهم إِنَّه مَأْمُور بِطَلَبِهِ أَولا فَإِن أَخطَأ وَغلب على ظَنّه شَيْء آخر تغير التَّكْلِيف وَصَارَ مامورا بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضى ظَنّه

  8. وَالْقَوْل الثَّالِث أَن عَلَيْهِ دَلِيلا قَطْعِيا والقائلون بِهِ اتَّفقُوا على أَن الْمُجْتَهد مَأْمُور بِطَلَبِهِ لَكِن اخْتلفُوا فَقَالَ الْجُمْهُور المخطىء فِيهِ

    ج ١ ص ٥٣٣لَا يَأْثَم وَلَا ينْقض قَضَاؤُهُ وَقَالَ بشر المريسي بالتأثيم والأصم بِالنَّقْضِ

  9. وَالَّذِي نَذْهَب إِلَيْهِ أَن الله تَعَالَى فِي كل وَاقعَة حكما معينا عَلَيْهِ دَلِيل ظَنِّي وَأَن المخطىء فِيهِ مَعْذُور وَأَن القَاضِي لَا ينْقض قَضَاؤُهُ

  10. هَذَا حَاصِل كَلَام الْمَحْصُول وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي الْمِنْهَاج إِنَّه الَّذِي نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي

  11. إِذا علمت ذَلِك فللمسألة فروع مِنْهَا

  12. ١ - إِذا اجْتهد فِي الْقبْلَة وَصلى ثمَّ تَيَقّن الْخَطَأ فَفِي الْقَضَاء أَقْوَال أَصَحهَا أَنه يجب

  13. وَالثَّانِي لَا

  14. وَالثَّالِث إِن تَيَقّن الصَّوَاب أَيْضا وَجب وَإِلَّا فَلَا فَإِن لم يتَيَقَّن الْخَطَأ بل تغير اجْتِهَاده لم يلْزمه الْقَضَاء حَتَّى لَو صلى أَربع رَكْعَات إِلَى أَربع جِهَات فَلَا قَضَاء أَيْضا

    ج ١ ص ٥٣٤٢ - وَمِنْهَا إِذا صلى خلف من تَوَضَّأ تَارِكًا للنِّيَّة أَو التَّرْتِيب أَو التَّسْمِيَة فِي الْفَاتِحَة وَنَحْو ذَلِك وَفِيه وَجْهَان أصَحهمَا وجوب الْإِعَادَة

  15. ٣ - وَمِنْهَا جَوَاز اسْتِخْلَاف الشَّافِعِي للحنفي وَنَحْوه من الْمُخَالفين وَكَلَام الشَّافِعِي يدل على الْمَنْع وَالْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب خِلَافه وَحِينَئِذٍ فَيحكم النَّائِب بِمُقْتَضى مذْهبه كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الرَّوْيَانِيّ وَأقرهُ

  16. ٤ - وَمِنْهَا إِذا رفع إِلَى الشَّافِعِي مثلا حكم من قَاض آخر لَا يُوَافق اعْتِقَاده إِلَّا أَنه لَا يرى نقضه بل يرى أَن غَيره أصوب مِنْهُ فَهَل لَهُ تنفيذه فِيهِ وَجْهَان

  17. احدهما وَنَقله ابْن كج عَن نَص الشَّافِعِي أَنه يعرض عَنهُ وَلَا يرى تنفيذه لِأَنَّهُ إِعَانَة على مَا يعْتَقد أَنه خطأ

  18. وأصحهما كَمَا قَالَه السَّرخسِيّ وَبِه أجَاب ابْن الْقَاص أَنه ينفذهُ وَعَلِيهِ الْعَمَل كَمَا لَو حكم بِنَفسِهِ ثمَّ تغير اجْتِهَاده تغيرا لَا يَقْتَضِي النَّقْض ثمَّ ترافع إِلَيْهِ غُرَمَاء الْوَاقِعَة الَّتِي حكم فِيهَا فَإِنَّهُ يمْضِي حكمه الأول وَإِن أدّى اجْتِهَاده إِلَى أَن غَيره أصوب كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْقَضَاء وَالله تَعَالَى أعلم

  19. قَالَ الْمُؤلف رَضِي الله عَنهُ فرغت من تحريره سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة سوى أَشْيَاء الحقتها بعد ذَلِك نفع الله بهَا مُصَنفه وكاتبه وقارئه والناظر فِيهِ وَجَمِيع الْمُسلمين