مسألة
٥٤ فقرة، ج ١ ص ٩٩
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٩٩
إِذا أوجب الشَّارِع شَيْئا ثمَّ نسخ وُجُوبه فَيجوز الاقدام عَلَيْهِ عملا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْمَحْصُول فِي آخر هَذِه الْمَسْأَلَة وَصرح بِهِ غَيره
-
وَلَكِن الدَّلِيل الدَّال على الْإِيجَاب قد كَانَ أَيْضا دَالا على الْجَوَاز دلَالَة تضمن
ج ١ ص ١٠٠فَتلك الدّلَالَة هَل زَالَت بِزَوَال الْوُجُوب أم هِيَ بَاقِيَة
-
اخْتلفُوا فِيهِ
-
فَقَالَ الْغَزالِيّ إِنَّهَا لَا تبقى بل يرجع الْأَمر إِلَى مَا كَانَ قبل الْوُجُوب من الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة أَو الْإِبَاحَة أَو التَّحْرِيم وَصَارَ الْوُجُوب بالنسخ كَأَن لم يكن كَذَا جزم بِهِ فِي الْمُسْتَصْفى
-
وَقَالَ الإِمَام فَخر الدّين وَالْجُمْهُور إِنَّهَا بَاقِيَة
-
ومرادهم بِالْجَوَازِ هُوَ التَّخْيِير بَين الْفِعْل وَالتّرْك وَهُوَ الَّذِي صرح الْغَزالِيّ أَيْضا بِعَدَمِ بَقَائِهِ
-
وَحِينَئِذٍ فَيكون الْخلاف بَينهمَا معنويا على خلاف مَا ادَّعَاهُ ابْن التلمساني من أَن الْخلاف لَفْظِي وَيكون الْجَوَاز الَّذِي كَانَ فِي الْوَاجِب جِنْسا وفصله الْمَنْع من التّرْك قد صَار فَصله بعد النّسخ هُوَ التَّخْيِير بَين الْفِعْل وَالتّرْك فَإِن النَّاسِخ أثبت رفع الْحَرج عَن التّرْك فالماهية الْحَاصِلَة بعد النّسخ مركبة من قيدين
-
أَحدهمَا زَوَال الْحَرج عَن الْفِعْل وَهُوَ مُسْتَفَاد من الْأَمر
-
وَالثَّانِي زَوَاله عَن التّرْك وَهُوَ مُسْتَفَاد من النَّاسِخ وَهَذِه الْمَاهِيّة هِيَ الْمَنْدُوب أَو الْمُبَاح هَكَذَا قَالَه فِي الْمَحْصُول
-
وتلخص من ذَلِك أَنه إِذا نسخ الْوُجُوب بَقِي النّدب أَو الْإِبَاحَة من الْأَمر مَعَ ناسخه لَا من الْأَمر فَقَط
ج ١ ص ١٠١وَصُورَة المسالة أَن يَقُول الشَّارِع نسخت الْوُجُوب أَو نسخت تَحْرِيم التّرْك أَو رفعت ذَلِك
-
فَأَما إِذا نسخ الْوُجُوب بِالتَّحْرِيمِ أَو قَالَ رفعت جَمِيع مَا دلّ عَلَيْهِ الْأَمر السَّابِق من جَوَاز الْفِعْل وَامْتِنَاع التّرْك فَيثبت التَّحْرِيم قطعا
-
وَهَذَا الْخلاف كثيرا مَا يعبر عَنهُ الْفُقَهَاء بقَوْلهمْ إِذا بَطل الْخُصُوص هَل يبطل الْعُمُوم
-
إِذا علمت ذَلِك فللمسألة فروع
-
أَحدهَا تَنْزِيل الْقِرَاءَة الشاذة فِي الِاحْتِجَاج بهَا منزلَة الْخَبَر وَسَيَأْتِي إِيضَاح الْمَسْأَلَة فِي أول الْكتاب الأول الْمَعْقُود للْكتاب
-
الثَّانِي الْخلاف فِي كَرَاهَة الْحجامَة والفصد للصَّائِم فالمجزوم بِهِ فِي الرَّافِعِيّ هُوَ الْكَرَاهَة وَتَابعه فِي الرَّوْضَة عَلَيْهَا ثمَّ جزم أَعنِي النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب بِأَنَّهُمَا خلاف الأولى وَلم يذكر الْكَرَاهَة أصلا وَنَصّ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ على مَا يُوَافقهُ فَإِنَّهُ قَالَ وللصائم أَن يحتجم وَتَركه أحب إِلَيّ وَكَذَلِكَ فِي الْإِمْلَاء فِي بَاب نهي الْمُعْتَكف فَقَالَ وَلَا بَأْس أَن يحتجم الصَّائِم هَذَا لَفظه أَيْضا وَمن الْبُوَيْطِيّ
ج ١ ص ١٠٢والإملاء نقلت وَنقل عَن الآم كَمَا فِي الْبُوَيْطِيّ وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب كَمَا أوضحته فِي الْمُهِمَّات
-
وَجه تَفْرِيع هَذِه الْمَسْأَلَة على هَذِه الْقَاعِدَة أَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفطر الحاجم والمحجوم يدل على التَّحْرِيم بِلَا شكّ
-
وَلَكِن ثَبت أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام احْتجم وَهُوَ صَائِم فَانْتفى التَّحْرِيم ثمَّ إِن قُلْنَا بِأَن الْمُتَكَلّم يدْخل فِي عُمُوم كَلَامه وَأَن كل مَا ثَبت فِي حَقه ثَبت مثله فِي حَقنا إِذا لم يقم دَلِيل على التَّخْصِيص وَهُوَ الصَّحِيح وَإِذا انْتَفَى التَّحْرِيم خَاصَّة بقيت دلَالَة اللَّفْظ الأول على الْمَنْع غير المتحتم وَتَقْرِيره كَمَا فِي عَكسه
-
الثَّالِث لَو أَشَارَ إِلَى حَيَوَان معيب عَيْبا مَانِعا من الْأُضْحِية فَقَالَ جعلت هَذَا أضْحِية أَو نذر التَّضْحِيَة بِهِ ابْتِدَاء وَجب ذبحه لالتزامه كمن أعتق عَن كَفَّارَته معيبا يعْتق ويثاب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ لَا يَجْزِي عَن الْكَفَّارَة وَيكون ذبحه قربَة وتفرقة لَحْمه صَدَقَة وَلَا يَجْزِي عَن الضَّحَايَا والهدايا الْمَنْذُورَة لِأَن السَّلامَة مُعْتَبرَة فِيهَا وَهل يخْتَص ذَبحهَا بِيَوْم النَّحْر وتجري مجْرى الضَّحَايَا فِي الْمصرف
-
فِيهِ وَجْهَان
-
أَحدهمَا لَا لِأَنَّهَا لَيست أضْحِية بل شَاة لحم
ج ١ ص ١٠٣وأصحهما كَمَا قَالَه فِي أصل الرَّوْضَة وَنَقله الرَّافِعِيّ عَن تَصْحِيح الإِمَام الْغَزالِيّ نعم لِأَنَّهُ أوجبهَا باسم الْأُضْحِية وَقد بَطل الْبَعْض فثبتت بَاقِي الْأَحْكَام فَإِنَّهُ لَا محمل لكَلَامه غَيره
-
الرَّابِع إِذا أَشَارَ إِلَى ظَبْيَة وَقَالَ جعلت هَذِه أضْحِية فَهُوَ لاغ وَإِن أَشَارَ إِلَى فصيل أَو سخلة وَقَالَ جعلت هَذِه أضْحِية فَهَل هُوَ كالظبية أم كالمعيب
-
فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا الثَّانِي
-
الْخَامِس لَو كَانَ فِي ذمَّته أضْحِية أَو هدي بِنذر أَو غَيره فعين عَمَّا عَلَيْهِ حَيَوَانا بِهِ عيب لم يتَعَيَّن وَلم تَبرأ ذمَّته بذَبْحه وَهل يلْزمه ذبح الْمعينَة بِالتَّعْيِينِ
-
ينظر
-
إِن قَالَ عينت هَذِه عَمَّا فِي ذِمَّتِي لم يلْزمه
-
وَإِن قَالَ لله عَليّ أَن أضحي بِهَذِهِ عَمَّا فِي ذِمَّتِي لزمَه على الْأَصَح
-
وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَى هَذِه الْفُرُوع الثَّلَاثَة فِي أثْنَاء الْكتاب لمدرك آخر
-
السَّادِس إِذا بطلت الْجُمُعَة لخُرُوج الْوَقْت أَو نُقْصَان الْأَرْبَعين وَنَحْو ذَلِك فَالْأَصَحّ انقلابها ظهرا
-
وَالْقَائِل بِأَنَّهَا لَا تنْقَلب إِلَى ظهر تَحْتَهُ وَجْهَان
ج ١ ص ١٠٤أَحدهمَا انقلابها نَافِلَة
-
وَالثَّانِي بُطْلَانهَا بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا لَو تحرم بِالظّهْرِ قبل الزَّوَال
-
وَيحْتَمل مَجِيء التَّفْصِيل بَين الْعَالم بِضيق الْوَقْت وَالْجَاهِل بِهِ
-
وَهَذَا الْكَلَام يَأْتِي نَظِيره فِيمَا إِذا خرج من الِاعْتِكَاف الَّذِي يجب فِيهِ التَّتَابُع بِلَا عذر
-
وَاعْلَم أَنا لما أبطلنا الْخُصُوص فِي مَسْأَلَتنَا أبطلناه إِلَى خُصُوص آخر وَهُوَ الظّهْر وَلم نبطله إِلَى الْعُمُوم مُطلقًا وَهُوَ النَّافِلَة وَهِي دَرَجَة متوسطة
-
السَّابِع يتَيَمَّم للفريضة قبل الْوَقْت فَإِنَّهُ لَا يَصح مُطلقًا على الصَّحِيح وَقيل يَصح للنفل
-
الثَّامِن إِذا نوى الْمُحدث أَو الْجنب بتيممه رفع الْحَدث فَإِنَّهُ لَا يَصح التَّيَمُّم على الصَّحِيح وَقيل يَصح لِأَن نِيَّة الرّفْع تَسْتَلْزِم الْإِبَاحَة
-
وَمثله إِذا نوى دَائِم الْحَدث بوضوئه ذَلِك
-
التَّاسِع إِذا نذر صَوْم يَوْم الْعِيد
-
فَقَالَت الْحَنَفِيَّة يَصح وَيلْزمهُ يَوْم آخر كَمَا لَو قَالَ لله عَليّ صِيَام يَوْم وَهَذَا قِيَاس بَقَاء الْعُمُوم كَمَا قُلْنَاهُ فِي مسَائِل تقدّمت
ج ١ ص ١٠٥وَقد رَأَيْت فِي فروع ابْن كج فِي نَظِيره مثله فَقَالَ إِذا قَالَ لله عَليّ صِيَام يَوْم بِغَيْر نِيَّة فقد ذكرنَا أَنه على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه يلْزمه صِيَامه بنية وَالثَّانِي أَن النّذر بَاطِل هَذِه عِبَارَته
-
وَلَكِن اتّفق الْأَصْحَاب على إبِْطَال النّذر فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة أَعنِي يَوْم الْعِيد وبالغوا فِي الرَّد على الْحَنَفِيَّة وَفِيه مَا ذَكرْنَاهُ
-
ثمَّ حكى ابْن كج الْوَجْهَيْنِ أَيْضا فِيمَا إِذا كَانَ بِبَغْدَاد مثلا فِي أول ذِي الْحجَّة فَقَالَ لله عَليّ أَن أحج فِي هَذَا الْعَام هَل يلْزمه حجَّة أم لَا ونباهما على مَا إِذا نذر صَوْم نصف يَوْم