وكان حينئذ موزونا ومنها المطالبة بكون وصف المعارض مؤثرا يقال ولم قلت إن الكيل مؤثر وهذا إنما يسمع من المستدل إذا كان مثبتا للعلية بالمناسبة أو الشبه حتى يحتاج المعارض في معارضته إلى بيان مناسبة أو شبه بخلاف ما إذا أثبته
٢٠٠ فقرة، ج ١ ص ٣٦٣٢
الصفحة ١ من ٥
- ج ١ ص ٣٦٣٢
إِذا عرفت أَن الْمُعَارضَة مَقْبُولَة فَالْجَوَاب عَنْهَا من وُجُوه:
مِنْهَا: منع وجود الْوَصْف، مثل أَن يُعَارض الْقُوت بِالْكَيْلِ، فَيَقُول: لَا نسلم أَنه مَكِيل؛ لِأَن الْعبْرَة بعادة زمن الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَانَ حِينَئِذٍ مَوْزُونا.
-
وَمِنْهَا: الْمُطَالبَة بِكَوْن وصف الْمعَارض مؤثرا.
-
يُقَال: وَلم قلت: إِن الْكَيْل مُؤثر وَهَذَا إِنَّمَا يسمع من الْمُسْتَدلّ إِذا كَانَ مثبتا للعلية بالمناسبة أَو الشّبَه، حَتَّى يحْتَاج الْمعَارض فِي معارضته إِلَى بَيَان مُنَاسبَة أَو شبه، بِخِلَاف مَا إِذا أثْبته بالسبر، فَإِن الْوَصْف يدْخل فِي السبر بِدُونِ ثُبُوت الْمُنَاسبَة بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال.
-
وَمِنْهَا: بَيَان خفائه.
-
وَمِنْهَا: عدم انضباط هَذِه الْأَرْبَعَة؛ لما علمت أَن الظُّهُور والانضباط شَرط فِي الْوَصْف الْمُعَلل بِهِ، فَلَا بُد فِي دَعْوَى صلوح الْوَصْف عِلّة من بَيَانهَا، وللصاد عَنْهُمَا أَن يبين عدمهما، وَأَن يُطَالب بِبَيَان وجودهما.
-
وَمِنْهَا: بَيَان أَن الْوَصْف عدم معَارض فِي الْفَرْع.
-
مِثَاله: أَن يقيس الْمُكْره على الْمُخْتَار فِي الْقصاص بِجَامِع الْقَتْل.
-
فَيَقُول الْمُعْتَرض: معَارض بالطواعية فَإِن الْعلَّة هِيَ الْقَتْل مَعَ الطواعية.
-
فيجيب الْمُسْتَدلّ: بِأَن الطواعية عدم الْإِكْرَاه الْمُنَاسب لنقيض الحكم، وَهُوَ عدم الْقصاص، فحاصله عدم / معَارض، وَعدم الْمعَارض طرد لَا يصلح للتَّعْلِيل؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْبَاعِث فِي شَيْء كَمَا علمت.
-
وَمِنْهَا: أَن يبين كَون الْوَصْف الْمعَارض ملغى؛ إِذْ قد تبين اسْتِقْلَال الْبَاقِي بالعلية فِي صُورَة مَا بِظَاهِر نَص أَو إِجْمَاع.
-
مِثَاله: إِذا عَارض فِي الرِّبَا الطّعْم بِالْكَيْلِ.
-
فيجيب: بِأَن النَّص دلّ على اعْتِبَار الطّعْم فِي صُورَة مَا، وَهُوَ قَوْله: " لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء " .
- ج ١ ص ٣٦٣٣
وَمِثَال آخر: أَن يَقُول فِي يَهُودِيّ صَار نَصْرَانِيّا، أَو بِالْعَكْسِ: بدل دينه فَيقْتل كالمرتد.
-
فيعارضه بالْكفْر بعد الْإِيمَان.
-
فيجيب: بِأَن التبديل مُعْتَبر فِي صُورَة مَا لقَوْله: " من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ " .
-
وَهَذَا إِذا لم يتَعَرَّض للتعميم، فَلَو عمم وَقَالَ: فَيثبت ربوية كل مطعوم، أَو اعْتِبَار كل تَبْدِيل للْحَدِيث لم يسمع؛ لِأَن ذَلِك إِثْبَات للْحكم بِالنَّصِّ دون الْقيَاس، وَلَا تتميم للْقِيَاس بالإلغاء، وَالْمَقْصُود ذَلِك؛ لِأَنَّهُ لَو ثَبت الْعُمُوم لَكَانَ الْقيَاس ضائعا، وَلَا يضر كَونه عَاما إِذا لم يتَعَرَّض للتعميم وَلم يسْتَدلّ بِهِ.
-
وَمعنى هَذَا ذكره ابْن الْحَاجِب وَلم يذكرهُ فِي الْمَتْن.
-
قَوْله: (وَاكْتفى الشَّيْخ موفق الدّين فِي " الرَّوْضَة " وَغَيرهَا فِي بَيَان استقلاله، بِإِثْبَات الحكم فِي صُورَة دونه؛ لِأَن الأَصْل عدم غَيره، وَيدل عَلَيْهِ عجز الْمعَارض عَنهُ، وَقيل: لَا، لجَوَاز عِلّة أُخْرَى، قطع بِهِ ابْن الْحَاجِب فِي " مُخْتَصره " ، فَلَو أبدى وَصفا آخر يقوم مقَام مَا ألغاه الْمُسْتَدلّ بِثُبُوت الحكم دونه فسد الإلغاء، وَيُسمى تعدد الْوَضع، لتَعَدد أصليهما، وَجَوَاب إِفْسَاد الإلغاء إِلَى أَن يقف أَحدهمَا) .
ج ١ ص ٣٦٣٤قَالَ: " رُبمَا يظنّ أَن إِثْبَات الحكم فِي صُورَة دون وصف الْمعَارض كَاف فِي فِي إلغائه.
-
وَالْحق: أَنه لَيْسَ بكاف؛ لجَوَاز وجود عِلّة أُخْرَى، لما تقدم من جَوَاز تعدد الْعلَّة وَعدم وجوب الْعَكْس.
-
وَلأَجل ذَلِك لَو أبدى الْمُعْتَرض فِي صُورَة عدم وصف الْمُعَارضَة وَصفا آخر يقوم مقَام مَا ألغاه الْمُسْتَدلّ، بِثُبُوت الحكم دونه فسد الإلغاء؛ لابتنائه على اسْتِقْلَال الْبَاقِي فِي تِلْكَ الصُّورَة، وَقد بَطل.
-
وَتسَمى هَذِه الْحَالة تعدد / الْوَضع لتَعَدد أصليهما، وَالتَّعْلِيل فِي أَحدهمَا بِالْبَاقِي على وضع، أَي: مَعَ قيد، وَفِي الآخر على وضع آخر، أَي: مَعَ قيد آخر.
-
مِثَاله: أَن يُقَال فِي مَسْأَلَة أَمَان العَبْد للحربي: أَمَان من مُسلم عَاقل فَيقبل كَالْحرِّ؛ لِأَن الْإِسْلَام وَالْعقل مظنتان لإِظْهَار مصلحَة الْإِيمَان، أَي: بذل الْأمان وَجعله آمنا.
-
فَيَقُول الْمُعْتَرض: هُوَ معَارض بِكَوْنِهِ حرا، أَي: الْعلَّة كَونه مُسلما عَاقِلا حرا، فَإِن الْحُرِّيَّة مَظَنَّة فرَاغ قلبه للنَّظَر، لعدم اشْتِغَاله بِخِدْمَة السَّيِّد، فَيكون إِظْهَار مصَالح الْإِيمَان مَعَه أكمل.
-
فَيَقُول الْمُسْتَدلّ: الْحُرِّيَّة ملغاة لاستقلال الْإِسْلَام وَالْعقل بِهِ فِي صُورَة العَبْد الْمَأْذُون لَهُ من قبل سَيّده فِي أَن يُقَاتل.
-
فَيَقُول الْمُعْتَرض: إِذن السَّيِّد لَهُ خلف عَن الْحُرِّيَّة، فَإِنَّهُ مَظَنَّة لبذل
ج ١ ص ٣٦٣٥الوسع فِيمَا تصدى لَهُ من مصَالح الْقِتَال، أَو لعلم السَّيِّد صَلَاحه، لإِظْهَار مصَالح الْإِيمَان.
-
وَجَوَاب تعدد الْوَضع: أَن يلغي الْمُسْتَدلّ ذَلِك الْخلف، بإبداء صُورَة لَا يُوجد فِيهَا الْخلف.
-
فَإِن أبدى الْمُعْتَرض خلفا آخر، فَجَوَابه: إلغاؤه، وعَلى هَذَا إِلَى أَن يقف أَحدهمَا فَتكون الدبرة عَلَيْهِ، فَإِن [ظَهرت] صُورَة لَا خلف فِيهِ تمّ الإلغاء، وَبَطل الِاعْتِرَاض، وَإِلَّا ظهر عجز الْمُعْتَرض ".
-
قَوْله: (وَلَا يُفِيد الإلغاء لضعف المظنة بعد تَسْلِيمهَا) .
-
" قد عرفت أَن من أجوبة الْمُعَارضَة الإلغاء، فالإلغاء [هَل] يثبت ضعف الْمَعْنى، إِذا سلم وجود المظنة المتضمنة لذَلِك الْمَعْنى؟ الْحق أَنه لَا يثبت.
-
مِثَاله: أَن يَقُول: الرِّدَّة عِلّة الْقَتْل.
-
فَيَقُول الْمُعْتَرض: بل مَعَ الرجولية؛ لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْإِقْدَام على قتال الْمُسلمين، إِذْ يعْتَاد ذَلِك من الرِّجَال دون النِّسَاء.
-
فيجيب الْمُسْتَدلّ: بِأَن الرجولية وَكَونهَا مَظَنَّة الْإِقْدَام لَا تعْتَبر، وَإِلَّا لم يقتل مَقْطُوع الْيَدَيْنِ؛ لِأَن احْتِمَال الْإِقْدَام فِيهِ ضَعِيف، بل أَضْعَف من احْتِمَاله فِي النِّسَاء.
-
وَهَذَا لَا يقبل من حَيْثُ سلم أَن الرجولية مَظَنَّة اعتبرها الشَّارِع، وَذَلِكَ
ج ١ ص ٣٦٣٦كترفه الْملك فِي السّفر، لَا يمْنَع رخص السّفر فِي / حَقه، إِذْ الْمُعْتَبر المظنة وَقد وجدت، لَا مِقْدَار الْحِكْمَة لعدم انضباطها ".
-
قَوْله: (وَلَا يَكْفِي الْمُسْتَدلّ رُجْحَان وَصفه، خلافًا للآمدي، أما لَو اتفقَا على كَون الحكم مُعَللا بِأَحَدِهِمَا، قدم الرَّاجِح، وَلَا يَكْفِيهِ كَونه مُتَعَدِّيا) .
قَالَ ابْن مُفْلِح: " لَا يَكْفِي الْمُسْتَدلّ رُجْحَان وَصفه خلافًا للآمدي، لقُوَّة بعض أَجزَاء الْعلَّة، كَالْقَتْلِ على الْعمد الْعدوان.
-
أما لَو اتفقَا على كَون الحكم مُعَللا بِأَحَدِهِمَا، قدم الرَّاجِح، وَلَا يَكْفِيهِ كَونه مُتَعَدِّيا لاحْتِمَال جزئه الْقَاصِر ".
-
لم يذكر ابْن الْحَاجِب الِاتِّفَاق على كَونه مُعَللا، إِنَّمَا ذكر الأول والأخير.
-
فَلهَذَا قَالَ الْعَضُد: " هَذَانِ وَجْهَان توهما جَوَابا للمعارضة وَلَا يكفيان.
-
الأول: رُجْحَان الْمعِين، وَهُوَ أَن يَقُول الْمُسْتَدلّ فِي جَوَاب الْمُعَارضَة: مَا عينته من الْوَصْف رَاجِح على مَا عارضت بِهِ، ثمَّ يظْهر وَجها من وُجُوه التَّرْجِيح وَهَذَا الْقدر غير كَاف؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يدل على أَن اسْتِقْلَال وَصفه أولى
ج ١ ص ٣٦٣٧من اسْتِقْلَال وصف الْمُعَارضَة، إِذْ لَا يُعلل بالمرجوح مَعَ وجود الرَّاجِح، لَكِن احْتِمَال الْجُزْئِيَّة بَاقٍ، وَلَا بعد فِي تَرْجِيح بعض الْأَجْزَاء على بعض، فَيَجِيء التحكم.
-
الثَّانِي: [كَون] مَا عينه الْمُسْتَدلّ مُتَعَدِّيا وَالْآخر قاصرا غير كَاف فِي جَوَاب الْمُعَارضَة، إِذْ مرجعه التَّرْجِيح بذلك، فَيَجِيء التحكم، هَذَا والشأن فِي التَّرْجِيح فَإِنَّهُ إِن رجحت المتعدية بِأَن اعْتِبَاره يُوجب الاتساع فِي الْأَحْكَام، وبأنها مُتَّفق على اعْتِبَارهَا، بِخِلَاف القاصرة، رجحت القاصرة بِأَنَّهَا مُوَافقَة للْأَصْل، إِذْ الأَصْل عدم الْأَحْكَام، وَبِأَن اعْتِبَارهَا إِعْمَال للدليلين مَعًا، دَلِيل الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة، وَدَلِيل القاصرة بِخِلَاف إلغائها ".
-
قَوْله: (وَيجوز تعدد أصُول الْمُسْتَدلّ فِي الْأَصَح، فَيجوز اقْتِصَار الْمُعَارضَة على أصل وَاحِد، وَفِي " الْوَاضِح ": لَا، فَيجب اتِّحَاد الْمعَارض فِي الْجَمِيع، وَقيل: لَا، فللمستدل الِاقْتِصَار فِي جَوَابه على أصل وَاحِد، وَقيل: لَا) .