فصل
٥١ فقرة، ج ١ ص ١٣٦٧
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ١٣٦٧
{وَمَا لم يتواتر فَلَيْسَ بقرآن} .
-
إِذا علم أَن الْقُرْآن لَا يكون إِلَّا متواترا، نَشأ عَنهُ أَن الْقرَاءَات الشاذة لَيست قُرْآنًا، لِأَنَّهَا آحَاد، وَذَلِكَ لِأَن التَّوَاتُر يُفِيد الْقطع، وَثُبُوت الْقُرْآن لَا بُد فِيهِ من التَّوَاتُر، لكَونه مَقْطُوعًا بِهِ، لِأَنَّهُ معجز عَظِيم، فَكَانَ مِمَّا تتوافر الدَّوَاعِي عَادَة على نقل جمله وتفاصيله، لدوران الْإِسْلَام عَلَيْهِ، فَلَا بُد من تواتره وَالْقطع بِهِ، وَمَا لم يتواتر لَا يثبت كَونه قُرْآنًا، وَقطع بِهَذَا كثير من الْعلمَاء، حَتَّى أَنْكَرُوا على من حكى خلافًا.
-
لَكِن الصَّحِيح: أَن من غير الْمُتَوَاتر ظَاهرا مَا يكون قُرْآنًا، كَمَا لَو صَحَّ سَنَده وَلم يتواتر، على مَا يَأْتِي قَرِيبا محررا.
- ج ١ ص ١٣٦٨
وَالله أعلم.
{والبسملة بعض آيَة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
- ج ١ ص ١٣٧٠
[فِي] [سُورَة] [النَّمْل إِجْمَاعًا} ، فَهِيَ قرآ] ن قطعا، وَلَيْسَت فِي أول بَرَاءَة إِجْمَاعًا، إِمَّا لكَونهَا أَمَانًا، وَهَذِه [السُّورَة نزلت] بِالسَّيْفِ،
ج ١ ص ١٣٧١كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقد كشفت أسرار الْمُنَافِقين، وَلذَلِك تسمى الفاضحة.
-
وَإِمَّا لِأَنَّهَا مُتَّصِلَة بالأنفال سُورَة وَاحِدَة.
-
وَإِمَّا لغير ذَلِك، على أَقْوَال.
-
وَأما حكم الْبَسْمَلَة فِي غير ذَلِك، فَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء، مِنْهُم: الإِمَام أَحْمد وَالْإِمَام أَبُو حنيفَة وَالْإِمَام الشَّافِعِي: أَنَّهَا قُرْآن، نَقله ابْن مُفْلِح عَنْهُم فِي " أُصُوله " و " فروعه " .
-
لَكِن النَّقْل عَن الشَّافِعِي: أَنه قطع بِأَنَّهَا آيَة من أول الْفَاتِحَة، وَاخْتلف قَوْله فِيمَا سواهَا.
-
فَفِي قَول: أَنَّهَا آيَة من أول كل سُورَة.
- ج ١ ص ١٣٧٢
وَفِي قَول: بعض آيَة.
-
وَفِي قَول: لَا آيَة، وَلَا بعض آيَة.
-
وَفِي قَول رَابِع: أَنَّهَا آيَة مُفْردَة للفصل بَين السُّور، وَهُوَ غَرِيب لم يَنْقُلهُ أحد من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَلكنه فِي " الطارقيات " لِابْنِ خالويه عَن الرّبيع، قَالَ: (سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: أول الْحَمد " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " ، وَأول الْبَقَرَة " الم " ) .
ج ١ ص ١٣٧٣قَالَ ابْن الصّلاح: (وَله حسن، وَهُوَ أَنَّهَا لما ثبتَتْ أَولا فِي سُورَة الْفَاتِحَة، كَانَت فِي بَاقِي السُّور إِعَادَة لَهَا وتكرارا، فَلَا تكون فِي تِلْكَ السُّور ضَرُورَة، وَلذَلِك لَا يُقَال: هِيَ آيَة من أول كل سُورَة، بل هِيَ آيَة فِي أول كل سُورَة) .
قَالَ بَعضهم: (وَهُوَ أحسن الْأَقْوَال، وَبِه تَجْتَمِع الْأَدِلَّة، فَإِن إِثْبَاتهَا فِي الْمُصحف بَين السُّور، وَقد أجمع الصَّحَابَة أَلا يكون فِي الْمُصحف غير قُرْآن، [وَأَن] مَا بَين دفتي الْمُصحف كَلَام الله، فَإِن فِي ذَلِك دَلِيلا وَاضحا على ثُبُوتهَا) .
قَالَ جمَاعَة: (وَهَذَا من أحسن الْأَدِلَّة، وَلم يقم دَلِيل على كَونهَا آيَة من أول كل سُورَة) .
ج ١ ص ١٣٧٤قَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ: (هِيَ آيَة مُفْردَة، أنزلت للفصل بَين السُّور) .
قَالَ ابْن رَجَب فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة: (وَهُوَ الصَّحِيح عَن أبي حنيفَة) .
قلت: وَهَذَا مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد، وَعَلِيهِ أَصْحَابه.
قَالَ ابْن رَجَب: (هَذَا قَول أَكثر الْعلمَاء مِنْهُم: عَطاء، وَالشعْبِيّ، وَالزهْرِيّ، وَالثَّوْري، وَابْن الْمُبَارك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد،
ج ١ ص ١٣٧٥وَإِسْحَاق، [وَأَبُو] عبيد، وَدَاوُد، وَمُحَمّد بن الْحسن) .
-
وَهُوَ أَيْضا قَول أَكثر الْقُرَّاء، من السَّبْعَة وَغَيرهم.
-
{ [وَذهب] الإِمَام مَالك، وَأَصْحَابه} ، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَابْن جرير الطَّبَرِيّ، وَغَيرهم: إِلَى أَنَّهَا لَيست بقرآن بِالْكُلِّيَّةِ، {و} قَالَه {بعض الْحَنَفِيَّة، وَرُوِيَ عَن أَحْمد} .
- ج ١ ص ١٣٧٦
لَكِن قَالَ ابْن رَجَب فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة: (فِي ثُبُوت هَذِه الرِّوَايَة عَن أَحْمد نظر، بل هِيَ ذكر كالاستعاذة) .
-
قَوْله: {وَلَيْسَت من الْفَاتِحَة على [أصح الرِّوَايَتَيْنِ] } عَن الإِمَام أَحْمد، وَعَلَيْهَا مُعظم أَصْحَابه.
-
وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: أَنَّهَا من الْفَاتِحَة، اخْتَارَهَا ابْن بطة، وَأَبُو حَفْص، العكبريان من أَصْحَابنَا.
-
وَهُوَ مَنْصُوص الشَّافِعِي كَمَا تقدم.
-
قَوْله: {وَلَا تَكْفِير [من] الْجَانِبَيْنِ} .
- ج ١ ص ١٣٧٧
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَيست من الْقُرْآن الْقطعِي، بل من الْحكمِي، وَهُوَ الْأَصَح للشَّافِعِيَّة؛ بِنَاء على أَنَّهَا هَل هِيَ قُرْآن على سَبِيل الْقطع كَسَائِر الْقُرْآن، أَو على سَبِيل الحكم لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهَا؟
-
وَقد حكى النَّوَوِيّ: (أَنه لَا يكفر النَّافِي بِأَنَّهَا قُرْآن إِجْمَاعًا) ، وَإِن كَانَ العمراني حكى فِي زوائده عَن صَاحب " الْفُرُوع " : (أَنا إِذا قُلْنَا: إِنَّهَا من الْفَاتِحَة قطعا كفرنا نافيها، [وفسقنا] تاركها) ، لَكِن لَا الْتِفَات لذَلِك.
- ج ١ ص ١٣٧٨
وَمن ذَلِك: قَالَ ابْن الْحَاجِب: (وَقُوَّة الشُّبْهَة فِي " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " ، منعت من التَّكْفِير من الْجَانِبَيْنِ) المثبتين لَهَا كالشافعية، والنافين لَهَا كالأئمة الثَّلَاثَة، وَالْقَاضِي أبي بكر، لَكِن هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِذا أثبتناها قُرْآنًا قَطْعِيا، أما إِذا أثبتناها حكميا، فَلَيْسَ هُنَا مُقْتَضى للتكفير حَتَّى يدْفع بِالشُّبْهَةِ، وَكَذَا إِذا قُلْنَا: قطع بتواترها عِنْد الْقَائِل بِهِ دون غَيره، أَو أَن الْقطع بالقرائن، على أَن الْقطع لَا يُوجب تَكْفِير النَّافِي، بل لَا بُد أَن يكون الْمَقْطُوع بِهِ مجمعا عَلَيْهِ، مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ.
ثمَّ قَالَ ابْن الْحَاجِب: (وَالْقطع أَنَّهَا لم تتواتر ... إِلَى آخِره) .
-
وَهُوَ عَجِيب، فَأَي قطع مَعَ قُوَّة الشُّبْهَة على قَوْله؟
-
وَكَذَلِكَ مُبَالغَة الباقلاني فِي تخطئة القَوْل بِأَنَّهَا من الْقُرْآن، لَا يلاقي مدعي: أَن ذَلِك حكى لَا قَطْعِيّ، أَو بتواتر حصل لَهُ، أَو يقطع
ج ١ ص ١٣٧٩بقرائن، وَكَونه قُرْآنًا حكميا أصح الْأَوْجه الثَّلَاثَة؛ لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى تَوَاتر، وَبِه تنْدَفع الإشكالات كلهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى) قَالَ ذَلِك الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته " .
-
قَوْله: {وَتكره قِرَاءَة مَا صَحَّ مِنْهُ} .
-
أَي: من غير الْمُتَوَاتر، وَهُوَ الشاذ، نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد، قدمه ابْن مُفْلِح فِي " فروعه " ، وَغَيره، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَاللَّيْل إِذا يغشى (١) وَالنَّهَار إِذا تجلى (٢) وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى} [اللَّيْل: ١ - ٣] .
ج ١ ص ١٣٨٠قَالَ الرَّافِعِيّ: من الشَّافِعِيَّة: (تسوغ الْقِرَاءَة بالسبع، وَكَذَا بِالْقِرَاءَةِ الشاذة، إِن لم يكن فِيهَا تَغْيِير معنى، وَلَا زِيَادَة حرف، وَلَا نقصانه) انْتهى، وَظَاهره مُطلقًا.
-
قَوْله: {وَلَا تصح الصَّلَاة [بِهِ] عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم} .
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ بقرآن، لِأَن الْقُرْآن لَا يكون إِلَّا متواترا - كَمَا تقدم - وَهَذَا غير متواتر، فَلَا يكون قُرْآنًا، فَلَا تصح الصَّلَاة بِهِ.
-
{وَعنهُ: تصح، [وَرَوَاهُ ابْن وهب] عَن مَالك، وَاخْتَارَهُ ابْن
ج ١ ص ١٣٨١الْجَوْزِيّ، وَالشَّيْخ} تَقِيّ الدّين، وَبَعض الشَّافِعِيَّة، وَقدمه ابْن تَمِيم، وَصَاحب " الْفَائِق " من أَصْحَابنَا، لصَلَاة الصَّحَابَة بَعضهم خلف بعض، وَكَذَلِكَ لم يزل الْمُسلمُونَ يصلونَ خلف أَصْحَاب هَذِه الْقرَاءَات: كالحسن الْبَصْرِيّ، وَطَلْحَة بن مصرف، وَابْن مُحَيْصِن، وَالْأَعْمَش، وَغَيرهم من أضرابهم، وَلم يُنكر ذَلِك أحد عَلَيْهِم.
ج ١ ص ١٣٨٢قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (هَذِه الرِّوَايَة أنصهما عَن أَحْمد) انْتهى.
-
وَاخْتَارَ الْمجد - جده - ابْن تَيْمِية: أَنَّهَا لَا تجزيء عَن ركن الْقِرَاءَة.
-
{و [قطع] النَّوَوِيّ فِي " الرَّوْضَة " } بِصِحَّة الصَّلَاة بِالْقِرَاءَةِ الشاذة، إِن لم يكن فِيهَا تَغْيِير معنى، وَلَا زِيَادَة حرف وَلَا نقصانه.
-
وَهُوَ معنى قَوْلنَا: {إِن بَقِي الْمَعْنى وَالصّفة} .
-
فالرافعي جوز الْقِرَاءَة بذلك، وَالنَّوَوِيّ صحّح الصَّلَاة بِهِ.
-
{ [وَعَن أَحْمد] تحرم} الْقِرَاءَة بِهِ، ذكرهمَا ابْن مُفْلِح فِي " فروعه " ، وَغَيره، {وَحكي إِجْمَاعًا} .
-
[قَالَ ابْن عبد الْبر: (لَا تجوز الْقِرَاءَة بهَا إِجْمَاعًا) ] .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " ، و " فَتَاوِيهِ " : ... ... ... ... ... ...
- ج ١ ص ١٣٨٣
(لَا فِي الصَّلَاة وَلَا فِي غَيرهَا) .
-
وَكَذَا قَالَ السخاوي: (لَا تجوز الْقِرَاءَة بهَا لخروجها عَن إِجْمَاع الْمُسلمين) .
-
[وَاخْتَارَهُ] جمَاعَة.
-
{وَقيل: إِن غير الْمَعْنى} حرم، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ معنى مَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ، كَمَا تقدم عَنْهُمَا.