بيان قول القائل: يضعف لقارئ " قل هو اله أحد " مقدار ما يعطاه قارئ ثلث القرآن بلا تضعيف
فقرتان، ج ١٨ ص ١٢٨
- ج ١٨ ص ١٢٨
وَالنَّهْيِ مَا يَخُصُّهُ لَا لِسَبَبِ وَلَا لِحِكْمَةِ قَطُّ بَلْ مُجَرَّدُ تَخْصِيصِ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؟ فَقَالَ بِذَلِكَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْجَبْرِيَّةِ وَوَافَقَهُمْ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ. وَأَمَّا السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَأَكْثَرِ طَوَائِفِ الْكَلَامِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ كالكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ وَنَفُتْهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يَقُولُونَ بِهَذَا الْأَصْلِ بَلْ يَقُولُونَ: هُوَ سُبْحَانَهُ يَخُصُّ مَا يَخُصُّ مِنْ خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ لِأَسْبَابِ وَلِحِكْمَةِ لَهُ فِي التَّخْصِيصِ كَمَا بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِي مَوَاضِعَ.
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُضَعِّفُ لِقَارِئِهَا مِقْدَارَ مَا يُعْطَاهُ قَارِئُ ثُلُثِ الْقُرْآنِ بِلَا تَضْعِيفٍ: قَوْلٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ وَلَا حِكْمَةٌ فَإِنَّ النَّصَّ أَخْبَرَ أَنَّ قِرَاءَتَهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَأَنَّ مَنْ قَرَأَهَا فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَإِنْ كَانَ فِي هَذَا تَضْعِيفٌ فَفِي هَذَا تَضْعِيفٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا تَضْعِيفٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْآخَرِ فَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِالتَّضْعِيفِ تَحَكُّمٌ. ثُمَّ جَعَلَ التَّضْعِيفَ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ لِمَا اُخْتُصَّتْ بِهِ السُّورَةُ مِنْ الْفَضْلِ وَحِينَئِذٍ فَفَضْلُهَا هُوَ سَبَبُ هَذَا التَّقْدِيرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى نَقْصِ ثَوَابِ سَائِرِ الْقُرْآنِ وَأَيْضًا فَهَذَا تَحَكُّمٌ مَحْضٌ لَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَلَا سَبَبٌ يَقْتَضِيهِ وَلَا حِكْمَةٌ فِيهِ. وَالنَّاسُ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُونَ مِنْ جِهَةِ نَقْصِ عِلْمِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ بِكَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْرِ ذَلِكَ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ
ج ١٨ ص ١٢٩ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي يَفُوقُ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ والآخرين. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ وَأَفْصَحُ الْخَلْقِ فِي الْبَيَانِ وَأَنْصَحُ الْخَلْقِ لِلْخَلْقِ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ كَمَالُ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ وَكَمَالُ الْقُدْرَةِ عَلَى بَيَانِهِ وَكَمَالُ الْإِرَادَةِ لَهُ وَمَعَ كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ يَجِبُ وُجُودُ الْمَطْلُوبِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ فَيُعْلَمُ أَنَّ كَلَامَهُ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ وَأَتَمُّ مَا يَكُونُ وَأَعْظَمُ مَا يَكُونُ بَيَانًا لِمَا بَيَّنَهُ فِي الدِّينِ مِنْ أُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمَنْ وَقَّرَ هَذَا فِي قَلْبِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَحْرِيفِ النُّصُوصِ بِمِثْلِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي إذَا تُدُبِّرَتْ وَجَدَ مَنْ أَرَادَهَا بِذَلِكَ الْقَوْلَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَمَّا يَجِبُ اتِّصَافُ الرَّسُولِ بِهِ وَعَلِمَ أَنَّ مَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَقْصِ مَا أُوتِيَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} . فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِخْوَانَنَا مِمَّنْ رَفَعَ دَرَجَاتِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ. وَإِذْ قَدْ تَبَيَّنَ ضَعْفُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ - غَيْرَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي نَصَرْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ كَالْمُهَلَّبِ وَالْأَصِيلِيَّ وَغَيْرِهِمَا - فَنَقُولُ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ تَفَاضُلَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ نِسْبَتِهِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَعَانِيهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا وَبِاعْتِبَارِ أَلْفَاظِهِ الْمُبَيِّنَةِ لِمَعَانِيهِ. وَاَلَّذِي قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَضَّلَ مِنْ السُّوَرِ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ وَقَالَ: {إنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ فِي