ما يقصد من الأماكن للعبادة وما لا يقصد

فقرتان، ج ١٨ ص ٤٧٦

  1. وَفِيهِ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَوَّلًا وَكَانَ هَذَا مَكَانٌ يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ حِرَاءَ أَعْلَى جَبَلٍ كَانَ هُنَاكَ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إلَى مَكَّةَ مَرَّاتٍ بَعْدَ أَنْ أَقَامَ بِهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِضْعَ عَشْرَةَ سُنَّةً وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ يَذْهَبُونَ إلَى حِرَاءَ. وَلَمَّا حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ وَلَمْ يَسْتَلِمْ الشَّامِيَّيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُبْنَيَا عَلَى قَوَاعِدَ إبْرَاهِيمَ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَجَرِ مِنْ الْبَيْتِ وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَهُ وَالْيَمَانِيُّ اسْتَلَمَهُ وَلَمْ يُقَبِّلْهُ وَصَلَّى بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَسْتَلِمْهُ وَلَمْ يُقَبِّلْهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّمَسُّحَ بِحِيطَانِ الْكَعْبَةِ غَيْرِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ وَتَقْبِيلَ شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لَيْسَ بِسُنَّةِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْتِلَامَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَتَقْبِيلَهُ لَيْسَ بِسُنَّةِ وَإِذَا كَانَ هَذَا نَفْسَ الْكَعْبَةِ وَنَفْسَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ بِهَا فَمَعْلُومٌ أَنَّ جَمِيعَ الْمَسَاجِدِ حُرْمَتُهَا دُونَ الْكَعْبَةِ وَأَنَّ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ بِالشَّامِ وَغَيْرِهَا وَسَائِرَ مَقَامَاتِ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ الْمَقَامِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فَعُلِمَ أَنَّ سَائِرَ الْمَقَامَاتِ لَا تُقْصَدُ لِلصَّلَاةِ فِيهَا كَمَا لَا يُحَجُّ إلَى سَائِرِ الْمَشَاهِدِ وَلَا يُتَمَسَّحُ بِهَا وَلَا يُقَبَّلُ شَيْءٌ مِنْ مَقَامَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا الْمَسَاجِدُ وَلَا الصَّخْرَةُ وَلَا غَيْرُهَا وَلَا يُقَبَّلُ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إلَّا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ.

    ج ١٨ ص ٤٧٦
  2. وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ بِمَسْجِدِ بِمَكَّةَ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَلَمْ يَأْتِ لِلْعِبَادَاتِ إلَّا الْمَشَاعِرَ: مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ فَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْصِدَ مَسْجِدًا بِمَكَّةَ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَا تُقْصَدُ بُقْعَةٌ لِلزِّيَارَةِ غَيْرَ الْمَشَاعِرِ الَّتِي قَصَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي آثَارِهِمْ فَكَيْفَ بِالْمَقَابِرِ الَّتِي لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ اتَّخَذَهَا مَسَاجِدَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَدِينُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا تُقْصَدُ بُقْعَةٌ لِلصَّلَاةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَسْجِدًا فَقَطْ وَلِهَذَا مَشَاعِرُ الْحَجِّ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تُقْصَدُ لِلنُّسُكِ لَا لِلصَّلَاةِ فَلَا صَلَاةَ بِعَرَفَةَ وَإِنَّمَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ بعرنة خَطَبَ بِهَا ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ ذَهَبَ إلَى عَرَفَاتٍ فَوَقَفَ بِهَا وَكَذَلِكَ يُذْكَرُ اللَّهُ وَيُدْعَى بِعَرَفَاتِ وبمزدلفة عَلَى قُزَحَ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَبَيْنَ الْجَمَرَاتِ وَعِنْدَ الرَّمْيِ وَلَا تُقْصَدُ هَذِهِ الْبِقَاعُ لِلصَّلَاةِ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمَسَاجِدِ وَمَشَاعِرِ الْحَجِّ فَلَا تُقْصَدُ بُقْعَةٌ لَا لِلصَّلَاةِ وَلَا لِلذِّكْرِ وَلَا لِلدُّعَاءِ بَلْ يُصَلِّي الْمُسْلِمُ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ إلَّا حَيْثُ نُهِيَ وَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَدْعُوهُ حَيْثُ تَيَسَّرَ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ تَخْصِيصِ بُقْعَةٍ بِذَلِكَ وَإِذَا اتَّخَذَ بُقْعَةً لِذَلِكَ كَالْمَشَاهِدِ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ إلَّا مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ عِنْدَ السَّلَامِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ

    ج ١٨ ص ٤٧٨الدُّعَاءِ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ كَمَا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَإِنَّ زِيَارَةَ قَبْرِ الْمُؤْمِنِ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَتِهِ يَفْعَلُ فِي هَذَا مِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُ فِي هَذَا وَيَقْصِدُ بِالدُّعَاءِ هُنَا مَا يَقْصِدُ بِالدُّعَاءِ هُنَا. وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا أَنَّ الْأَنْصَارَ بَايَعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ بِالْوَادِي الَّذِي وَرَاءَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ مَكَانٌ مُنْخَفِضٌ قَرِيبٌ مِنْ مِنًى يَسْتُرُ مَنْ فِيهِ فَإِنَّ السَّبْعِينَ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَدْ حَجُّوا مَعَ قَوْمِهِمْ الْمُشْرِكِينَ وَمَا زَالَ النَّاسُ يَحُجُّونَ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ فَجَاءُوا مَعَ قَوْمِهِمْ إلَى مِنًى؛ لِأَجْلِ الْحَجِّ ثُمَّ ذَهَبُوا بِاللَّيْلِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ لِقُرْبِهِ وَسَتْرِهِ لَا لِفَضِيلَةٍ فِيهِ وَلَمْ يَقْصِدُوهُ لِفَضِيلَةٍ تَخُصُّهُ بِعَيْنِهِ. وَلِهَذَا لَمَّا حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لَمْ يَذْهَبُوا إلَيْهِ وَلَا زَارُوهُ وَقَدْ بَنَى هُنَاكَ مَسْجِدًا وَهُوَ مُحْدَثٌ وَكُلُّ مَسْجِدٍ بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا غَيْرُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَمِنًى نَفْسُهَا لَمْ يَكُنْ بِهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْجِدٌ مَبْنِيٌّ وَلَكِنْ قَالَ {مِنًى مُنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ} فَنَزَلَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ وَكَانَ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ بِمِنًى وَغَيْرِ مِنًى وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَاجْتِمَاعُ الْحُجَّاجِ بِمِنًى أَكْثَرُ مِنْ اجْتِمَاعِهِمْ بِغَيْرِهَا فَإِنَّهُمْ يُقِيمُونَ بِهَا أَرْبَعًا وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ بِالنَّاسِ بِمِنًى وَغَيْرِ مِنًى وَكَانُوا يَقْصُرُونَ

    ج ١٨ ص ٤٧٧