إبراهيم ومحمد عليهما السلام كل منهما خليل الله

٣ فقرات، ج ١٨ ص ٤٨٢

  1. أَنَّهُ فُعِلَ أَوَّلًا لِمَقْصُودِ ثُمَّ شَرَعَهُ اللَّهُ نُسُكًا وَعِبَادَةً لَكِنَّ هَذَا يَكُونُ إذَا شَرَعَ اللَّهُ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِهِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْرَعَ مَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَنَا أَسْتَحِبُّ الطَّوَافَ بِالصَّخْرَةِ سَبْعًا كَمَا يُطَافُ بِالْكَعْبَةِ أَوْ أَسْتَحِبُّ أَنْ أَتَّخِذَ مِنْ مَقَامِ مُوسَى وَعِيسَى مُصَلًّى كَمَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْتَصُّ مَا يَخْتَصُّهُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَفْعَال بِأَحْكَامٍ تَخُصُّهُ يَمْتَنِعُ مَعَهَا قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ إمَّا لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُوجَدُ بِغَيْرِهِ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِمَّا لِمَحْضِ تَخْصِيصِ الْمَشِيئَةِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ كَمَا خَصَّ الْكَعْبَةَ بِأَنْ يُحَجَّ إلَيْهَا وَيُطَافَ بِهَا وَكَمَا خَصَّ عَرَفَاتٍ بِالْوُقُوفِ بِهَا وَكَمَا خَصَّ مِنًى بِرَمْيِ الْجِمَارِ بِهَا وَكَمَا خَصَّ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ بِتَحْرِيمِهَا وَكَمَا خَصَّ شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامِهِ وَقِيَامِهِ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ. وَإِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ كُلٌّ مِنْهُمَا خَلِيلُ اللَّهِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: {أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ قَالَ: ذَاكَ إبْرَاهِيمُ} . فَإِبْرَاهِيمُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْلُهُ: " ذَاكَ إبْرَاهِيمُ " تَوَاضُعٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: {أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ آدَمَ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ} إلَى غَيْرِ

    ج ١٨ ص ٤٨٣ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ الْمُبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى رَبِّهِ وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ الْإِمَامُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: {إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا} وَهُوَ الْأُمَّةُ أَيْ الْقُدْوَةُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: {إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} وَهُوَ الَّذِي بَوَّأَهُ اللَّهُ مَكَانَ الْبَيْتِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ إلَيْهِ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْحَرَمَ عَلَى لِسَانِهِ وَإِسْمَاعِيلُ نَبَّأَهُ مَعَهُ وَهُوَ الذَّبِيحُ الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وَصَبَرَ عَلَى الْمِحْنَةِ كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ بِالدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَأُمُّهُ هَاجَرُ هِيَ الَّتِي أَطَاعَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إبْرَاهِيمَ فِي مُقَامِهَا مَعَ ابْنِهَا فِي ذَلِكَ الْوَادِي الَّذِي لَمْ يَكُنْ بِهِ أَنِيسٌ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: {رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} . وَكَانَ لِإِبْرَاهِيمَ وَلِآلِ إبْرَاهِيمَ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فَخَصَّهُمْ اللَّهُ بِأَنْ جَعَلَ لِبَيْتِهِ الَّذِي بَنَوْهُ لَهُ خَصَائِصَ لَا تُوجَدُ لِغَيْرِهِ وَجَعَلَ مَا جَعَلَهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ قُدْوَةً لِلنَّاسِ وَعِبَادَةً يَتَّبِعُونَهُمْ فِيهَا وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِإِبْرَاهِيمَ السَّعْيَ وَرَمْيَ الْجِمَارِ وَالْوُقُوفَ بِعَرَفَاتِ بَعْدَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ وَقِصَّةِ الذَّبْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا كَانَ كَمَا شَرَعَ لِمُحَمَّدِ الرَّمَلَ فِي الطَّوَافِ حَيْثُ أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِحَجِّ الْبَيْتِ وَالْحَجُّ مَبْنَاهُ عَلَى الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ وَلِهَذَا خُصَّ بِاسْمِ النُّسُكِ و " النُّسُكُ " فِي اللُّغَةِ الْعِبَادَةُ.

    ج ١٨ ص ٤٨٤قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: النُّسُكُ الْعِبَادَةُ وَالنَّاسِكُ الْعَابِدُ وَقَدْ نَسَكَ وَتَنَسَّكَ أَيْ تَعَبَّدَ وَنَسُكَ بِالضَّمِّ أَيْ صَارَ نَاسِكًا ثُمَّ خُصَّ الْحَجُّ بِاسْمِ النُّسُكِ لِأَنَّهُ أَدْخَلُ فِي الْعِبَادَةِ وَالذُّلِّ لِلَّهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلِهَذَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْأَفْعَالِ مَا لَا يُقْصَدُ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ الذُّلِّ لِلَّهِ وَالْعِبَادَةِ لَهُ كَالسَّعْيِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا والمروة لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَخَصَّ بِذَلِكَ الذَّبْحِ الْفِدَاءَ أَيْضًا دُونَ مُطْلَقِ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ لِلَّهِ أَبْلَغُ فِي الْخُضُوعِ وَالْعِبَادَةِ لَهُ وَلِهَذَا كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا لَا يَأْكُلُونَ الْقُرْبَانَ؛ بَلْ تَأْتِي نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . وَكَذَلِكَ كَانُوا إذَا غَنِمُوا غَنِيمَةً جَمَعُوهَا ثُمَّ جَاءَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا لِيَكُونَ قِتَالُهُمْ مَحْضًا لِلَّهِ لَا لِلْمَغْنَمِ وَيَكُونَ ذَبْحُهُمْ عِبَادَةً مَحْضَةً لِلَّهِ لَا لِأَجْلِ أَكْلِهِمْ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِكَمَالِ يَقِينِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ لِلَّهِ وَلَوْ أَكَلُوا الْمَغْنَمَ وَيَذْبَحُونَ لِلَّهِ وَلَوْ أَكَلُوا الْقُرْبَانَ وَلِهَذَا كَانَ عُبَّادُ الشَّيَاطِينِ وَالْأَصْنَامِ يَذْبَحُونَ لَهَا الذَّبَائِحَ أَيْضًا فَالذَّبْحُ لِلْمَعْبُودِ غَايَةُ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ لَهُ. وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَا أَنْ يُسَمَّى غَيْرُ اللَّهِ عَلَى الذَّبَائِحِ

    ج ١٨ ص ٤٨٢
  2. وَحَرَّمَ سُبْحَانَهُ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَهُوَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَمَا سُمِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ وَإِنْ قُصِدَ بِهِ اللَّحْمُ لَا الْقُرْبَانُ وَلَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَنَهَى عَنْ ذَبَائِحَ الْجِنِّ وَكَانُوا يَذْبَحُونَ لِلْجِنِّ بَلْ حَرَّمَ اللَّهُ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} أَيْ انْحَرْ لِرَبِّك كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: {إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَقَدْ قَالَ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ إذْ يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} فَالْمَنَاسِكُ هُنَا مَشَاعِرُ الْحَجِّ كُلُّهَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} وَقَالَ: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} . فَالْمَقْصُودُ تَقْوَى الْقُلُوبِ لِلَّهِ وَهُوَ عِبَادَتُهَا لَهُ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ. بِغَايَةِ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَالْعُبُودِيَّةُ فِيهَا غَايَةُ الْمَحَبَّةِ وَغَايَةُ الذُّلِّ وَالْإِخْلَاصِ وَهَذِهِ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ عِبَادَةَ الْقُلُوبِ هِيَ الْأَصْلُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ}

    ج ١٨ ص ٤٨٥
  3. وَالنِّيَّةُ وَالْقَصْدُ هُمَا عَمَلُ الْقَلْبِ فَلَا بُدَّ فِي الْمُتَابَعَةِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا احْتَجَمَ وَأَمَرَ بِالْحِجَامَةِ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {شِفَاءُ أُمَّتِي فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارِ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ} كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحِجَامَةِ إخْرَاجُ الدَّمِ الزَّائِدِ الَّذِي يَضُرُّ الْبَدَنَ فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَخَصَّ الْحِجَامَةَ لِأَنَّ الْبِلَادَ الْحَارَّةَ يَخْرُجُ الدَّمُ فِيهَا إلَى سَطْحِ الْبَدَنِ فَيَخْرُجُ بِالْحِجَامَةِ فَلِهَذَا كَانَتْ الْحِجَامَةُ فِي الْحِجَازِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ يَحْصُلُ بِهَا مَقْصُودُ اسْتِفْرَاغِ الدَّمِ وَأَمَّا الْبِلَادُ الْبَارِدَةُ فَالدَّمُ يَغُورُ فِيهَا إلَى الْعُرُوقِ فَيَحْتَاجُونَ إلَى قَطْعِ الْعُرُوقِ بِالْفِصَادِ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ بِالْحِسِّ وَالتَّجْرِبَةِ فَإِنَّهُ فِي زَمَانِ الْبَرْدِ تَسْخَنُ الْأَجْوَافُ وَتَبْرُدُ الظَّوَاهِرُ لِأَنَّ شَبِيهَ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ فَإِذَا بَرَدَ الْهَوَاءُ بَرَدَ مَا يُلَاقِيهِ مِنْ الْأَبْدَانِ وَالْأَرْضِ فَيَهْرُبُ الْحَرُّ الَّذِي فِيهَا مِنْ الْبَرْدِ الْمُضَادِّ لَهُ إلَى الْأَجْوَافِ فَيَسْخَنُ بَاطِنُ الْأَرْضِ. وَأَجْوَافُ الْحَيَوَانِ وَيَأْوِي الْحَيَوَانُ إلَى الْأَكْنَانِ الدَّافِئَةِ. وَلِقُوَّةِ الْحَرَارَةِ فِي بَاطِنِ الْإِنْسَانِ يَأْكُلُ فِي الشِّتَاءِ وَفِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْكُلُ فِي الصَّيْفِ وَفِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَرَارَةَ تَطْبُخُ الطَّعَامَ وَتُصَرِّفُهُ وَيَكُونُ الْمَاءُ النَّابِعُ فِي الشِّتَاءِ سُخْنًا لِسُخُونَةِ جَوْفِ الْأَرْضِ وَالدَّمُ سُخْنٌ فَيَكُونُ فِي جَوْفِ الْعُرُوقِ لَا فِي سَطْحِ الْجِلْدِ فَلَوْ احْتَجَمَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَضُرُّهُ وَفِي الصَّيْفِ

    ج ١٨ ص ٤٨٧وَالْبِلَادِ الْحَارَّةِ تَسْخَنُ الظَّوَاهِرُ فَتَكُونُ الْبَوَاطِنُ بَارِدَةً فَلَا يَنْهَضِمُ الطَّعَامُ فِيهَا كَمَا يَنْهَضِمُ فِي الشِّتَاءِ وَيَكُونُ الْمَاءُ النَّابِعُ بَارِدًا لِبُرُودَةِ بَاطِنِ الْأَرْضِ وَتَظْهَرُ الْحَيَوَانَاتُ إلَى الْبَرَارِي لِسُخُونَةِ الْهَوَاءِ فَهَؤُلَاءِ قَدْ لَا يَنْفَعُهُمْ الْفِصَادُ بَلْ قَدْ يَضُرُّهُمْ وَالْحِجَامَةُ أَنْفَعُ لَهُمْ. وَقَوْلُهُ: " شِفَاءُ أُمَّتِي " إشَارَةٌ إلَى مَنْ كَانَ حِينَئِذٍ مِنْ أُمَّتِهِ وَهُمْ كَانُوا بِالْحِجَازِ كَمَا قَالَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ قِبْلَةَ أُمَّتِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ بَعْدَ أَنْ فُرِضَ الْحَجُّ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ سَنَةَ عَشْرٍ وَقَّتَ ثَلَاثَ مَوَاقِيتَ لِلْمَدِينَةِ وَلِنَجْدٍ وَلِلشَّامِ وَلَمَّا فَتَحَ الْيَمَنَ وَقَّتَ لَهُمْ يلملم ثُمَّ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ذِكْرًا وَأُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ هَذَا هُوَ الْفَرْضَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ كَانَ قُوتَهُمْ وَلِهَذَا كَانَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ اقْتَاتَ الْأُرْزَ وَالذُّرَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يُخْرِجُ مِنْ قُوتِهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَهَلْ يَجْزِيهِ أَنْ يُخْرِجَ التَّمْرَ وَالشَّعِيرَ إذَا لَمْ يَكُنْ يَقْتَاتُهُ. فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَرْمُونَ بِالْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي تُشْبِهُ قَوْسَ النَّدْفِ وَفَتَحَ اللَّهُ لَهُمْ بِهَا الْبِلَادَ وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ فِي كَرَاهَةِ الرَّمْيِ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ لِكَوْنِهَا كَانَتْ شِعَارَ الْكُفَّارِ فَأَمَّا بَعْدَ

    ج ١٨ ص ٤٨٦