توطئة

٣ فقرات، ج ١٩ ص ٢٤٤

  1. الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُسْتَوْجِبِ لِصِفَاتِ الْمَدْحِ وَالْكَمَالِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْحَمْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يُحْصِي أَحَدٌ ثَنَاءً عَلَيْهِ بَلْ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ بِأَكْمَلِ الثَّنَاءِ وَأَحْسَنِ الْمَقَالِ فَهُوَ الْمُنْعِمُ عَلَى الْعِبَادِ بِالْخَلْقِ وَبِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وَبِهِدَايَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ. وَهُوَ الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَبِالثَّوَابِ الدَّائِمِ بِلَا انْقِطَاعٍ وَلَا زَوَالٍ. لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُتَّصِلًا بِلَا انْفِصَالٍ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي هَدَى بِهِ مِنْ الضَّلَالِ وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ وَأَحَلَّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَوَضَعَ عَنْهُمْ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ خَيْرَ

    ج ١٩ ص ٢٤٥آلٍ وَعَلَى أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا نُصْرَةً لِلدِّينِ حَتَّى ظَهَرَ الْحَقُّ وَانْطَمَسَتْ أَعْلَامُ الضَّلَالِ.

    ج ١٩ ص ٢٤٤
  2. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ لِمَا شَاءَ مِنْ حِكْمَتِهِ وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مَا لَا يُحْصُونَهُ مِنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَّمَ بَنِي آدَمَ بِأَصْنَافِ كَرَامَتِهِ وَخَصَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِاصْطِفَائِهِ وَهِدَايَتِهِ وَجَعَلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ مِنْ بَرِيَّتِهِ. وَبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَجَمِيلَ سِيرَتِهِ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ لِيُخْرِجَهُمْ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ وَحَيْرَتِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَيَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَتِهِ. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ أَفْضَلَ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ إلَى خَلِيقَتِهِ وَجَعَلَهُ آيَةً بَاقِيَةً إلَى قِيَامِ سَاعَتِهِ مُعْجِزَةً بَاهِرَةً مُبْدِيَةً عَنْ حُجَّتِهِ وَبَيِّنَة ظَاهِرَةً مُوَضِّحَةً لِدَعْوَتِهِ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَدُلُّهُمْ عَلَى طَرِيقِ جَنَّتِهِ فَالسَّعِيدُ مَنْ اعْتَصَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَاتَّبَعَ الرَّسُولَ فِي سُنَّتِهِ وَشَرِيعَتِهِ. وَالْمُهْتَدِي بِمَنَارِهِ الْمُقْتَفِي لِآثَارِهِ هُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ وَالْمُحْيِي لِشَيْءِ مِنْ سُنَّتِهِ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ نُقْصَانٍ فِي أَجْرِ طَاعَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ؛ بَلْ يُضَاعِفُ الْحَسَنَاتِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ.

  3. وَإِحْيَاءُ سُنَّتِهِ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا مِنْ الْبِرِّ لِسِعَةِ فَضْلِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَيَكُونُ بِالتَّبْلِيغِ لَهَا وَالْبَيَانِ لِأَجْلِ ظُهُورِ الْحَقِّ وَنُصْرَتِهِ وَيَكُونُ بِالْإِعَانَةِ عَلَيْهَا بِإِنْفَاقِ الْمَالِ وَالْجِهَادِ إعَانَةً عَلَى دِينِ اللَّهِ وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ فَالْجِهَادُ بِالْمَالِ مَقْرُونٌ بِالْجِهَادِ بِالنَّفْسِ قَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَهُ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ لِعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ وَثَمَرَتِهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرِ فَقَدْ غَزَا} " وَقَالَ: " {مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ} " وَمَثُوبَتِهِ؛ لَا سِيَّمَا مَا يَبْقَى نَفْعُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْإِنْسَانِ وَمَصِيرِهِ إلَى تُرْبَتِهِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: " {إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ} " فَهَذِهِ الثَّلَاثُ هِيَ مِنْ أَعْمَالِهِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ مِيتَتِهِ بِخِلَافِ مَا يَنْفَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ أَعْمَالِ غَيْرِهِ مِنْ الدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ سَعْيِهِ بَلْ مِنْ سَعْيِ غَيْرِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَكَمَا يَلْحَقُ بِالْمُؤْمِنِ مَنْ يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ. وَأَصْلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ هُوَ إخْلَاصُ الْعَبْدِ لِلَّهِ فِي نِيَّتِهِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إنَّمَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ وَخَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ وَهِيَ دَعْوَةُ الرُّسُلِ لِكَافَّةِ بَرِيَّتِهِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ بِأَوْضَحِ دَلَالَتِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَفْتَتِحُوا مَجَالِسَهُمْ وَكُتُبَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ: " {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ} " فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَبِدَايَتِهِ. فَنَجْرِي فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ إذْ كَانُوا أَفْضَلَ جَيْشِ الْإِسْلَامِ وَمُقَدِّمَتَهُ فَنَقُولُ

    ج ١٩ ص ٢٤٦