احتجاج من يستخدم الجن بسليمان عليه السلام
فقرة واحدة، ج ٢٠ ص ٤٢
- ج ٢٠ ص ٤٢
إمْرَاضَهُ وَإِمَّا جَلْبَ بَعْضِ مَنْ يَهْوُونَهُ وَإِمَّا إحْضَارَ بَعْضِ الْمَالِ وَلَكِنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُمْ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ النَّفْعِ بَلْ قَدْ يَكُونُ أَضْعَافَ أَضْعَافِ النَّفْعِ. وَاَلَّذِينَ يَسْتَخْدِمُونَ الْجِنَّ بِهَذِهِ الْأُمُورِ يَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ يَسْتَخْدِمُ الْجِنَّ بِهَا فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا مَاتَ كَتَبَتْ الشَّيَاطِينُ كُتُبَ سِحْرٍ وَكُفْرٍ وَجَعَلَتْهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ وَقَالُوا: كَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَخْدِمُ الْجِنَّ بِهَذِهِ فَطَعَنَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي سُلَيْمَانَ بِهَذَا. وَآخَرُونَ قَالُوا: لَوْلَا أَنَّ هَذَا حَقٌّ جَائِزٌ لَمَا فَعَلَهُ سُلَيْمَانُ؛ فَضَلَّ الْفَرِيقَانِ هَؤُلَاءِ بِقَدْحِهِمْ فِي سُلَيْمَانَ وَهَؤُلَاءِ بِاتِّبَاعِهِمْ السِّحْرَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} إلَى قَوْله تَعَالَى {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؛ إذْ كَانَ النَّفْعُ هُوَ الْخَيْرَ الْخَالِصَ أَوْ الرَّاجِحَ وَالضَّرَرُ هُوَ الشَّرُّ الْخَالِصُ أَوْ الرَّاجِحُ وَشَرُّ هَذَا إمَّا خَالِصٌ وَإِمَّا رَاجِحٌ. وَالْمَقْصُودُ أَنْ الْجِنَّ إذَا اعْتَدَوْا عَلَى الْإِنْسِ أُخْبِرُوا بِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ وَأُمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنُهُوا عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا يُفْعَلُ
ج ٢٠ ص ٤٣بِالْإِنْسِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ حَتَّى تُؤْذَنَ ثَلَاثًا كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ} وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا {عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخدري فِي بَيْتِهِ قَالَ: فَوَجَدْته يُصَلِّي فَجَلَسْت أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ فَسَمِعْت تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَالْتَفَتّ فَإِذَا حَيَّةٌ فَوَثَبْت لِأَقْتُلَهَا فَأَشَارَ إلَيَّ أَنْ اجْلِسْ فَجَلَسْت فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْت: نَعَمْ فَقَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسِ قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْخَنْدَقِ فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ وَيَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذْ عَلَيْك سِلَاحَك فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْك قُرَيْظَةَ فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةٌ فَأَهْوَى إلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ فَقَالَتْ: