لا اثم على من اجتهد وإن أخطأ

فقرة واحدة، ج ٢٠ ص ١٢٣

  1. وَهُمْ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ أَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى بَاطِلٍ وَلَا ضَلَالَةٍ وَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَتِهِمْ. وَتَنَازَعُوا فِي مَسَائِلَ عِلْمِيَّةٍ اعْتِقَادِيَّةٍ كَسَمَاعِ الْمَيِّتِ صَوْتَ الْحَيِّ وَتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ وَرُؤْيَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ مَعَ بَقَاءِ الْجَمَاعَةِ وَالْأُلْفَةِ. وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مِنْهَا مَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ قَطْعًا وَمِنْهَا مَا الْمُصِيبُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاحِدٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَتْبَاعِ السَّلَفِ وَالْآخَرُ مُؤَدٍّ لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ إدْرَاكِهِ وَهَلْ يُقَالُ لَهُ: مُصِيبٌ أَوْ مُخْطِئٌ؟ فِيهِ نِزَاعٌ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ الْجَمِيعَ مُصِيبِينَ وَلَا حُكْمَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ اجْتَهَدَ وَإِنْ أَخْطَأَ فَهَذَا النَّوْعُ يُشْبِهُ النَّوْعَ الْأَوَّلَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ أَمَّا وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ فَلِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مَعْصُومُونَ عَنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الْخَطَأِ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعْصُومًا مِنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا يَسُوغُ بَلْ يَجِبُ أَنْ نُبَيِّنَ الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَيَانُ خَطَأِ مَنْ أَخْطَأَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَلَا يُبَيِّنُ أَحَدُهُمَا مَا يَظْهَرُ بِهِ خَطَأُ الْآخَرِ وَأَمَّا الْمُشَابَهَةُ فَلِأَنَّ كُلًّا مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ مَا بَانَ لَهُ مِنْ الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ كَأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ

    ج ٢٠ ص ١٢٤وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُوجِبَ عَلَى الْآخَرِ طَاعَتَهُ كَمَا لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدِ النَّبِيِّينَ مَعَ الْآخَرِ وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ مِنْ الدَّلِيلِ مَا كَانَ خَافِيًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ انْتِقَالُهُ بِالِاجْتِهَادِ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَيُشْبِهُ النَّسْخَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ؛ لَكِنَّ هَذَا رَفْعٌ لِلِاعْتِقَادِ وَذَاكَ رَفْعٌ لِلْحُكْمِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْأَتْبَاعِ اتِّبَاعُ مَنْ وَلِيَ أَمْرَهُمْ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ فِيمَا سَاغَ لَهُ اتِّبَاعُهُ وَأَمَرَ فِيهِ بِاتِّبَاعِ اجْتِهَادِهِ كَمَا عَلَى الْأُمَّةِ اتِّبَاعُ أَيِّ نَبِيٍّ بُعِثَ إلَيْهِمْ وَإِنْ خَالَفَ شَرْعُهُ شَرْعَ الْأَوَّلِ لَكِنَّ تَنَوُّعَ الشَّرْعِ لِهَؤُلَاءِ وَانْتِقَالَهُ لَمْ يَكُنْ لِتَنَوُّعِ نَفْسِ الْأَمْرِ النَّازِلِ عَلَى الرَّسُولِ وَلَكِنَّ تَنَوُّعَ أَحْوَالِهِمْ وَهُوَ: إدْرَاكُ هَذَا لِمَا بَلَغَهُ مِنْ الْوَحْيِ سَمْعًا وَعَقْلًا وَعَجْزُ الْآخَرِ عَنْ إدْرَاكِ ذَلِكَ الْبَلَاغِ إمَّا سَمْعًا لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ سَمَاعِ ذَلِكَ النَّصِّ وَإِمَّا عَقْلًا لِعَدَمِ فَهْمِهِ لِمَا فَهِمَهُ الْأَوَّلُ مِنْ النَّصِّ وَإِذَا كَانَ عَاجِزًا سَقَطَ عَنْهُ الْإِثْمُ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ وَقَدْ يَتَبَيَّنُ لِأَحَدِهِمَا عَجْزُ الْآخَرِ وَخَطَؤُهُ وَيَعْذُرُهُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ لَا يَتَبَيَّنُ لَهُ عَجْزُهُ؛ وَقَدْ لَا يَتَبَيَّنُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَيُّهُمَا الَّذِي أَدْرَكَ الْحَقَّ وَأَصَابَهُ؟ وَلِهَذَا امْتَنَعَ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذَا خَطَأً قَالَ: لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ فَمَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ فَلَا يُقَالُ: أَخْطَأَهُ. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَيَقُولُونَ: أَخْطَأَهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ لَكِنْ خَطَؤُهُ مَعْذُورٌ فِيهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: عَجَزَ عَنْ إدْرَاكِهِ وَعِلْمِهِ لَكِنْ

    ج ٢٠ ص ١٢٣