فصل: في تأثير الاعتقادات في رفع العذاب والحدود
فقرة واحدة، ج ٢٠ ص ١٤٢
- ج ٢٠ ص ١٤٢
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ أُصُولًا: أَحَدُهَا: تَأْثِيرُ الِاعْتِقَادَاتِ فِي رَفْعِ الْعَذَابِ وَالْحُدُودِ فَنَقُولُ: إنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي نُصِبَتْ عَلَيْهَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ مَعْلُومَةٌ مِثْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْإِجْمَاعِ الظَّاهِرِ؛ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَالرِّبَا: إذَا بَلَغَتْ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ لِلْمُكَلَّفِ بَلَاغًا يُمَكِّنُهُ مِنْ اتِّبَاعِهَا فَخَالَفَهَا تَفْرِيطًا فِي جَنْبِ اللَّهِ وَتَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللَّهِ: فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مُخْطِئٌ آثِمٌ وَأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ سَبَبٌ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ أَقَامَ حُجَّتَهُ عَلَى خَلْقِهِ بِالرُّسُلِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} قَالَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ النَّارِ: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إنْ أَنْتُمْ إلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ
ج ٢٠ ص ١٤٣لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} . وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْفِعْلِ وَالْحَادِثَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الْعَمَلِيَّةِ نَصٌّ لَا يَتَمَكَّنُ الْمُكَلَّفُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ دَلَالَتِهِ؛ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ الْوَارِدُ فِيهَا عِنْدَ شَخْصٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُجْتَهِدُ وَلَمْ يَشْعُرْ بِمَا يَدُلُّهُ عَلَيْهِ؛ أَوْ تَكُونُ دَلَالَتُهُ خَفِيَّةً لَا يَقْدِرُ الْمُجْتَهِدُ عَلَى فَهْمِهَا؛ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ بِحَالِ فَهَذَا مَوْرِدُ نِزَاعٍ؛ فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِثْلَ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْغَزَالِيِّ إلَى قَوْلٍ مُبْتَدَعٍ يُشْبِهُ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ قَوْلَ الزَّنَادِقَةِ الْإِبَاحِيَّةِ فِي الْمَنْصُوصَاتِ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذِهِ الْحَادِثَةِ حُكْمٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنَّمَا حُكْمُهُ فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ يَتَّبِعُ اجْتِهَادَهُ وَاعْتِقَادَهُ فَمَنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الْفِعْلِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَمَنْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْخِطَابِ فَمَا لَا خِطَابَ فِيهِ لَا حُكْمَ لِلَّهِ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَقْلِ فِيهِ حُكْمٌ إمَّا لِعَدَمِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ مُطْلَقًا أَوْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا حُكْمَ فِيهِ يَكُونُ مَنْ أَصَابَهُ مُصِيبًا وَمَنْ أَخْطَأَهُ مُخْطِئًا. الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَ شَيْءٍ فَعَلَيْهِ فِعْلُهُ وَمَنْ
ج ٢٠ ص ١٤٤اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ فَعَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ فَالْحُكْمُ فِيهِ يَتْبَعُ الِاعْتِقَادَ. قَالُوا: وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ فِي اجْتِهَادَاتِهِمْ وَغَيْرِ اجْتِهَادَاتِهِمْ بِدَلِيلِ اتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ وَالِاعْتِقَادَ يُؤَثِّرُ فِي رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْعِقَابِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ وَأَنَّ الْوُجُوبَ وَالتَّحْرِيمَ يَخْتَلِفُ بِالْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ وَالطَّهَارَةِ وَالْحَيْضِ وَالْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ الْأَحْكَامُ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِقَادَاتِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ مَا اعْتَقَدَهُ. هَذَا مُلَخَّصُ قَوْلِهِمْ. وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْفُقَهَاءُ وَالصُّوفِيَّةُ وَالْعَامَّةُ وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَعَلَى إنْكَارِ هَذَا الْقَوْلِ وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ الصَّرِيحِ حَتَّى قَالَ أَبُو إسْحَاقَ الإسفراييني وَغَيْرِهِ هَذَا الْمَذْهَبُ أَوَّلُهُ سَفْسَطَةٌ وَآخِرُهُ زَنْدَقَةٌ يَعْنِي: أَنَّ السَّفْسَطَةَ جَعْلُ الْحَقَائِقِ تَتْبَعُ الْعَقَائِدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ يَتْبَعُ الِاعْتِقَادَاتِ فَقَدْ سَفْسَطَ فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَفْسِطًا فِي الْأَحْكَامِ الْعَيْنِيَّةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنَّ عَاقِلًا يُسَفْسِطُ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَا خَطَأً وَلَا عَمْدًا لَا ضَلَالًا وَلَا عِنَادًا لَا جَهْلًا وَلَا تَجَاهُلًا وَأَمَّا كَوْنُ آخِرِهِ زَنْدَقَةً فَلِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ وَالْوَعِيدَ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَيَبْقَى الْإِنْسَانُ إنْ شَاءَ أَنْ يُوجِبَ وَإِنْ شَاءَ