طريقة القرآن في مخاطبة الناس ودعوتهم أحسن الطرق

فقرتان، ج ٢٠ ص ١٦٤

  1. وَالْقُرْآنُ جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى؛ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَهِيَ الدَّلَائِلُ الْيَقِينِيَّاتُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} والمتفلسفة يُفَسِّرُونَ ذَلِكَ بِطُرُقِهِمْ الْمَنْطِقِيَّةِ فِي الْبُرْهَانِ وَالْخَطَابَةِ وَالْجَدَلِ وَهُوَ ضَلَالٌ مِنْ وُجُوهٍ قَدْ بُسِطَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بَلْ الْحِكْمَةُ هِيَ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ وَالْعَمَلُ بِهِ فَالْقُلُوبُ الَّتِي لَهَا فَهْمٌ وَقَصْدٌ تُدْعَى بِالْحِكْمَةِ فَيَبِينُ لَهَا الْحَقُّ عِلْمًا وَعَمَلًا فَتَقْبَلُهُ وَتَعْمَلُ بِهِ. وَآخَرُونَ يَعْتَرِفُونَ بِالْحَقِّ لَكِنَّ لَهُمْ أَهْوَاءً تَصُدُّهُمْ عَنْ اتِّبَاعِهِ فَهَؤُلَاءِ يُدْعَوْنَ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْحَقِّ وَالتَّرْهِيبِ مِنْ الْبَاطِلِ. وَالْوَعْظُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ بِتَرْغِيبِ وَتَرْهِيبٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا} فَالدَّعْوَةُ بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ لِمَنْ قَبِلَ الْحَقَّ وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ فَإِنَّهُ يُجَادَلُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَالْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى هَذَا وَهَذَا وَلِهَذَا إذَا جَادَلَ يَسْأَلُ وَيَسْتَفْهِمُ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ الْبَيِّنَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَجْحَدَهَا؛ لِتَقْرِيرِ الْمُخَاطَبِ بِالْحَقِّ وَلِاعْتِرَافِهِ بِإِنْكَارِ الْبَاطِلِ كَمَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} وَقَوْلِهِ: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} وَقَوْلِهِ: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ

    ج ٢٠ ص ١٦٥السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} وَقَوْلِهِ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} وَقَوْلِهِ: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} {أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} وَقَوْلِهِ: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} وَقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} وَقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ} وَقَوْلِهِ: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} {وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَاطِبُهُمْ بِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِ الْمُتَضَمِّنِ إقْرَارِهِمْ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ جَدَلٍ بِالْبُرْهَانِ؛ فَإِنَّ الْجَدَلَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يُسَلِّمَ الْخَصْمُ الْمُقَدِّمَاتِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَإِذَا كَانَتْ بَيِّنَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَانَتْ بُرْهَانِيَّةً. وَالْقُرْآنُ لَا يُحْتَجُّ فِي مُجَادَلَتِهِ بِمُقَدِّمَةِ لِمُجَرَّدِ تَسْلِيمِ الْخَصْمِ بِهَا كَمَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الْجَدَلِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَنْطِقِ وَغَيْرِهِمْ بَلْ بِالْقَضَايَا وَالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي تُسَلِّمُهَا النَّاسُ وَهِيَ بُرْهَانِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُسَلِّمُهَا وَبَعْضُهُمْ يُنَازِعُ فِيهَا ذِكْرَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهَا كَقَوْلِهِ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي

    ج ٢٠ ص ١٦٦جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} فَإِنَّ الْخِطَابَ لَمَّا كَانَ مَعَ مَنْ يُقِرُّ بِنُبُوَّةِ مُوسَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَعَ مَنْ يُنْكِرُهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} وَقَدْ بَيَّنَ الْبَرَاهِينَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ مُوسَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَعَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ يُبْدُونَهَا كَابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو جَعَلُوا الْخِطَابَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَجَعَلُوا قَوْلَهُ: {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا} احْتِجَاجًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ؛ فَالْحُجَّةُ عَلَى أُولَئِكَ نُبُوَّةُ مُوسَى وَعَلَى هَؤُلَاءِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْبَرَاهِينِ مَا قَدْ بُيِّنَ بَعْضُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَعَلَى قِرَاءَةِ الْأَكْثَرِينَ بِالتَّاءِ هُوَ خِطَابٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ: {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا} بَيَانٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِمَّا أَنْكَرُوهُ فَعَلَّمَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ مَا لَمْ يَقْبَلُوهُ وَلَمْ يَعْلَمُوهُ فَاسْتَدَلَّ بِمَا عَرَفُوهُ مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا لَمْ يَعْرِفُوهُ. وَقَدْ قَصَّ سُبْحَانَهُ قِصَّةَ مُوسَى وَأَظْهَرَ بَرَاهِينَ مُوسَى وَآيَاتِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَظْهَرِ الْبَرَاهِينِ وَالْأَدِلَّةِ حَتَّى اعْتَرَفَ بِهَا السَّحَرَةُ الَّذِينَ جَمَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَنَاهِيك بِذَلِكَ فَلَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ حَقَّ مُوسَى؛ وَأَتَى بِالْآيَاتِ الَّتِي عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ؛ وَابْتَلَعَتْ عَصَاهُ الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ الَّتِي أَتَى

    ج ٢٠ ص ١٦٤
  2. بِهَا السَّحَرَةُ بَعْدَ أَنْ جَاءُوا بِسِحْرِ عَظِيمٍ وَسَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوا النَّاسَ ثُمَّ لَمَّا ظَهَرَ الْحَقُّ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ قَالُوا: {آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} فَقَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ: {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} مِنْ الدَّلَائِلِ الْبَيِّنَاتِ الْيَقِينِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ وَعَلَى الَّذِي فَطَرَنَا؛ وَهُوَ خَالِقُنَا وَرَبُّنَا الَّذِي لَا بُدَّ لَنَا مِنْهُ لَنْ نُؤْثِرَك عَلَى هَذِهِ الدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ وَعَلَى خَالِقِ الْبَرِيَّةِ {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} {إنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} . وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ يُبَيِّنُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا مِنْ الِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ نَوْعًا غَيْرَ النَّوْعِ الْآخَرِ كَمَا يُسَمَّى اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَكِتَابُهُ بِأَسْمَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْآخَرُ وَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْرَارٌ بَلْ فِيهِ تَنْوِيعُ الْآيَاتِ مِثْلَ: أَسْمَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قِيلَ: مُحَمَّدٌ وَأَحْمَد؛ وَالْحَاشِرُ وَالْعَاقِبُ؛ وَالْمُقَفَّى؛ وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ فِي كُلِّ اسْمٍ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنًى لَيْسَ فِي الِاسْمِ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَتْ الذَّاتُ وَاحِدَةً فَالصِّفَاتُ مُتَنَوِّعَةٌ.

    ج ٢٠ ص ١٦٧