الإجماع حجة

٣ فقرات، ج ٢٠ ص ١٧٦

  1. أَحْمَد مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ وَالْأَثْرَمِ وَحَرْبٍ الكرماني وَغَيْرِهِمْ وَمِثْلَ الْخَلَّالِ وَغَيْرِهِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا تَحْقِيقُ ذَلِكَ وَأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَافِيَانِ بِجَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ.

    ج ٢٠ ص ١٧٦
  2. وَأَمَّا إجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ لَا تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ حَقٌّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رُسُلَهُ بِالْعَدْلِ وَأَنْزَلَ الْمِيزَانَ مَعَ الْكِتَابِ وَالْمِيزَانُ يَتَضَمَّنُ الْعَدْلَ وَمَا يُعْرَفُ بِهِ الْعَدْلُ وَقَدْ فَسَّرُوا إنْزَالَ ذَلِكَ بِأَنْ أَلْهَمَ الْعِبَادَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ. وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَبَيَّنَ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ وَهِيَ الْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ مَا بَيَّنَهُ مِنْ الْحَقِّ لَكِنَّ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ يُطَابِقُ النَّصَّ فَإِنَّ الْمِيزَانَ يُطَابِقُ الْكِتَابَ وَاَللَّهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْعَدْلِ فَهُوَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَإِنَّمَا أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْعَدْلِ قَالَ تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} وَأَمَّا إجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَهُوَ حَقٌّ لَا تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - عَلَى ضَلَالَةٍ كَمَا وَصَفَهَا اللَّهُ بِذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَقَالَ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ

    ج ٢٠ ص ١٧٧بِاللَّهِ} وَهَذَا وَصْفٌ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَيَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ كَمَا وُصِفَ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} وَبِذَلِكَ وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} فَلَوْ قَالَتْ الْأُمَّةُ فِي الدِّينِ بِمَا هُوَ ضَلَالٌ لَكَانَتْ لَمْ تَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ فِي ذَلِكَ وَلَمْ تَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} وَالْوَسَطَ الْعَدْلَ الْخِيَارَ وَقَدْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَأَقَامَ شَهَادَتَهُمْ مَقَامَ شَهَادَةِ الرَّسُولِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَوْلُك وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ قَالَ: هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْت: وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْت: وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ} . فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ قَدْ جَعَلَهُمْ شُهَدَاءَ لَمْ يَشْهَدُوا بِبَاطِلِ فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِشَيْءٍ فَقَدْ أَمَرَ بِهِ وَإِذَا شَهِدُوا أَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ نَهَى عَنْهُ وَلَوْ كَانُوا يَشْهَدُونَ بِبَاطِلٍ أَوْ خَطَأٍ لَمْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ اللَّهِ

    ج ٢٠ ص ١٧٨فِي الْأَرْضِ بَلْ زَكَّاهُمْ اللَّهُ فِي شَهَادَتِهِمْ كَمَا زَكَّى الْأَنْبِيَاءَ فِيمَا يُبَلِّغُونَ عَنْهُ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ عَلَيْهِ إلَّا الْحَقَّ وَكَذَلِكَ الْأُمَّةُ لَا تَشْهَدُ عَلَى اللَّهِ إلَّا بِحَقٍّ وَقَالَ تَعَالَى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إلَيَّ} وَالْأُمَّةُ مُنِيبَةٌ إلَى اللَّهِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهَا وَقَالَ تَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} فَرَضِيَ عَمَّنْ اتَّبَعَ السَّابِقِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُتَابِعَهُمْ عَامِلٌ بِمَا يَرْضَى اللَّهُ وَاَللَّهُ لَا يَرْضَى إلَّا بِالْحَقِّ لَا بِالْبَاطِلِ وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ كَلِمَاتٍ كَانَ مَالِكٌ يَأْثُرُهَا عَنْهُ كَثِيرًا قَالَ: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتِعْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَمَعُونَةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ لَيْسَ لِأَحَدِ تَغْيِيرُهَا وَلَا النَّظَرُ فِي رَأْيِ مَنْ خَالَفَهَا فَمَنْ خَالَفَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا تَوَلَّى وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا جَرَّدَ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْإِجْمَاعِ كَمَا كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَمَالِكٌ ذَكَرَ عَنْ عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مُتَّبِعَ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَحِقٌّ

  3. لِلْوَعِيدِ كَمَا أَنَّ مُشَاقَّ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يُوجِبُ الْوَعِيدَ بِمُجَرَّدِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوَصْفُ الْآخَرُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَكَانَ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ. وَهُنَا لِلنَّاسِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ. وَقِيلَ: بَلْ مُخَالَفَةُ الرَّسُولِ مُسْتَقِلَّةٌ بِالذَّمِّ فَكَذَلِكَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ مُسْتَقِلٌّ بِالذَّمِّ وَقِيلَ: بَلْ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ يُوجِبُ الذَّمَّ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ لَكِنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي مُفَارَقَةَ الْأَوَّلِ بَلْ قَدْ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لَهُ فَكُلُّ مُتَابِعٍ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُشَاقٌّ لِلرَّسُولِ وَكَذَلِكَ مُشَاقُّ الرَّسُولِ مُتَّبِعٌ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا كَمَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ وَطَاعَةَ الرَّسُولِ وَاجِبَةٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِلذَّمِّ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ؛ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي؛ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ؛ وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي} وَقَالَ: {إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ} يَعْنِي: إذَا أَمَرَ أَمِيرِي بِالْمَعْرُوفِ فَطَاعَتُهُ مِنْ طَاعَتِي وَكُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَقَدْ عَصَى الرَّسُولَ؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ يَأْمُرُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ

    ج ٢٠ ص ١٧٩