جهل معظم الفلاسفة والمتكلمين بمقدار العلوم الشرعية

فقرة واحدة، ج ٢٠ ص ٢٣٢

  1. الشَّارِعِ. أَوْ مَا شُرِعَ عَقْلُهُ. أَوْ الْعَقْلُ الْمَشْرُوعُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْبَرَ بِهَا فَقَطْ فَهَذِهِ عَقْلِيَّةٌ مِنْ غَيْرِ الشَّارِعِ. فَيَجِبُ التَّفَطُّنُ. لَكِنَّ الْعَقْلِيَّ قَدْ يُعْقَلُ مِنْ الشَّارِعِ وَهُوَ عَامَّةُ أُصُولِ الدِّينِ وَقَدْ يُعْقَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يُعْقَلْ مِنْهُ فَهَذَا فِي وُجُودِهِ نَظَرٌ. وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَتَبَيَّنُ لَك أَنَّ عَامَّةَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَجُمْهُورَ الْمُتَكَلِّمَةِ جَاهِلَةٌ بِمِقْدَارِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَدَلَالَةُ الشَّارِعِ عَلَيْهَا وَيُوهِمُهُمْ عُلُوُّ الْعَقْلِيَّةِ عَلَيْهَا فَإِنَّ جَهْلَهُمْ ابْتَنَى عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ جَاهِلِيَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ مَا أَخْبَرَ الشَّارِعُ بِهَا. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ مَا يُسْتَفَادُ بِخَبَرِهِ فَرْعٌ لِلْعَقْلِيَّاتِ الَّتِي هِيَ الْأُصُولُ فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَشْرِيفُ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ. وَكِلَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلَةٌ؛ فَإِنَّ الشَّرْعِيَّاتِ: مَا أَخْبَرَ الشَّارِعُ بِهَا وَمَا دَلَّ الشَّارِعُ عَلَيْهَا. وَمَا دَلَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ يَنْتَظِمُ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إلَى عِلْمِهِ بِالْعَقْلِ وَجَمِيعَ الْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ وَأُصُولِ الدِّينِ وَمَسَائِلِ الْعَقَائِدِ بَلْ قَدْ تَدَبَّرْت عَامَّةَ مَا يَذْكُرُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ وَالْمُتَكَلِّمَةُ وَالدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ فَوَجَدْت دَلَائِلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَأْتِي بِخُلَاصَتِهِ الصَّافِيَةِ عَنْ الْكَدَرِ وَتَأْتِي بِأَشْيَاءَ

    ج ٢٠ ص ٢٣٣لَمْ يَهْتَدُوا لَهَا وَتَحْذِفُ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ الشُّبُهَاتِ وَالْأَبَاطِيلِ مَعَ كَثْرَتِهَا وَاضْطِرَابِهَا وَقَدْ بَيَّنْت تَفْصِيلَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَوَاضِعَ. وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالشَّرْعِيَّةِ مَا شُرِعَ عِلْمُهُ. فَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ عِلْمٍ مُسْتَحَبٍّ أَوْ وَاجِبٍ وَقَدْ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُبَاحُ وَأُصُولُ الدِّينِ عَلَى هَذَا مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْضًا وَمَا عُلِمَ بِالْعَقْلِ وَحْدَهُ فَهُوَ مِنْ الشَّرْعِيَّةِ أَيْضًا؛ إذَا كَانَ عِلْمُهُ مَأْمُورًا بِهِ فِي الشَّرْعِ. وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ الشَّرْعِيَّةُ قِسْمَيْنِ: عَقْلِيَّةٌ وَسَمْعِيَّةٌ. وَتُجْعَلُ السَّمْعِيَّةُ هُنَا بَدَلَ الشَّرْعِيَّةِ فِي الطَّرِيقَةِ الْأُولَى وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ عَقْلِيٍّ أَمَرَ الشَّرْعُ بِهِ أَوْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ فَهُوَ شَرْعِيٌّ أَيْضًا إمَّا بِاعْتِبَارِ الْأَمْرِ أَوْ الدَّلَالَةِ أَوْ بِاعْتِبَارِهِمَا جَمِيعًا. وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا التَّحْرِيرِ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ عَنْ مُسَمَّى الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الشَّارِعُ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ فَهُوَ يَجْرِي مَجْرَى الصِّنَاعَاتِ كَالْفِلَاحَةِ وَالْبِنَايَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْعُلُومِ المفضولة الْمَرْجُوحَةِ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ مُسَمَّى الشَّرْعِيَّةِ أَشْرَفُ وَأَوْسَعُ وَأَنَّ بَيْنَ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ عُمُومًا وَخُصُوصًا لَيْسَ أَحَدُهُمَا قَسِيمَ الْآخَرِ وَإِنَّمَا السَّمْعِيُّ قَسِيمُ الْعَقْلِيِّ وَأَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا وَهُوَ شَرْعِيٌّ بِالِاعْتِبَارَاتِ الثَّلَاثَةِ: إخْبَارِهِ بِهِ؛ أَمْرِهِ بِهِ؛ دَلَالَةٍ عَلَيْهِ. فَتَدَبَّرْ أَنَّ النِّسْبَةَ

    ج ٢٠ ص ٢٣٢