بم يحصل حسن الفعل؟

٣ فقرات، ج ٢٠ ص ٢٩٧

  1. الصِّفَاتِ الَّتِي فِيهَا إضَافَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ إلَى الْغَيْرِ مِثْلَ كَوْنِ الْفِعْلِ نَافِعًا وَضَارًّا وَمَحْبُوبًا وَمَكْرُوهًا وَالنَّافِعُ هُوَ الْجَالِبُ لِلَذَّةِ. وَالضَّارُّ هُوَ الْجَالِبُ لِلْأَلَمِ وَكَذَلِكَ الْمَحْبُوبُ هُوَ الَّذِي فِيهِ فَرَحٌ وَلَذَّةٌ لِلْمُحِبِّ مَثَلًا؛ وَالْمَكْرُوهُ هُوَ الَّذِي فِيهِ أَلَمٌ لِلْكَارِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ الْعَقْلِيُّ مَعْنَاهُ الْمَنْفَعَةُ وَالْمَضَرَّةُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ يَعُودَانِ إلَى الْمَطْلُوبِ وَالْمَكْرُوهِ؛ فَهَذِهِ صِفَةٌ فِي الْفِعْلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفَاعِلِ أَوْ غَيْرِهِ وَهَذِهِ صِفَةٌ فِي الْفِعْلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْآمِرِ النَّاهِي.

    ج ٢٠ ص ٢٩٧
  2. وَلِهَذَا قُلْت غَيْرَ مَرَّةٍ: إنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ يَحْصُلُ مِنْ نَفْسِهِ تَارَةً وَمِنْ الْآمِرِ تَارَةً وَمِنْ مَجْمُوعِهِمَا تَارَةً. وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ النَّسْخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ لَا يُثْبِتُونَ إلَّا الْأَوَّلَ وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ لِلْفِعْلِ صِفَةً إلَّا إضَافَةً لِتَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِ لَا يُثْبِتُونَ إلَّا الثَّانِيَ. وَالصَّوَابُ إثْبَاتُ الْأَمْرَيْنِ. وَقَدْرٌ زَائِدٌ يَحْصُلُ لِلْفِعْلِ مِنْ جِنْسِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ غَيْرَ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ وَيَحْصُلُ لِلْفِعْلِ بَعْدَ الْحُكْمِ فَالْخِطَابُ مُظْهِرٌ تَارَةً وَمُؤَثِّرٌ تَارَةً وَجَامِعٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ تَارَةً. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ نَعْقِلُ وَنَجِدُ أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ مِنْ الشَّخْصِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ يَجْلِبُ لَهُ مَنْفَعَةً وَمَضَرَّةً مَعًا وَالرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ عَدُوَّانِ

    ج ٢٠ ص ٢٩٨يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُسَرُّ مِنْ حَيْثُ عُدِمَ عَدْوٌ وَيُسَاءُ مِنْ حَيْثُ غَلَبَ عَدُوٌّ. وَيَكُونُ لَهُ صَدِيقَانِ يَعْزِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُسَاءُ مِنْ حَيْثُ انْعِزَالِ الصَّدِيقِ؛ وَيُسَرُّ مِنْ حَيْثُ تَوَلِّي صَدِيقٍ. وَأَكْثَرُ أُمُورِ الدُّنْيَا مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَحْضَةَ نَادِرَةٌ فَأَكْثَرُ الْحَوَادِثِ فِيهَا مَا يَسُوءُ وَيَسُرُّ فَيَشْتَمِلُ الْفِعْلُ عَلَى مَا يُنْفَعُ وَيُحَبُّ وَيُرَادُ وَيُطْلَبُ. وَعَلَى مَا يُضَرُّ وَيُبْغَضُ وَيُكْرَهُ وَيُدْفَعُ. وَكَذَلِكَ الْآمِرُ يَأْمُرُ بِتَحْصِيلِ النَّافِعِ وَيَنْهَى عَنْ تَحْصِيلِ الضَّارِّ فَيَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَيَنْهَى عَنْ الْغَصْبِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَضَرَّةِ. فَإِذَا قَالُوا: الْمُمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ فَيَقُولُ: صَلِّ هُنَا وَلَا تُصَلِّ هُنَا؛ فَإِنَّ هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَقَدْ يُقَالُ لَهُمْ: الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ مُمْتَنِعٌ فِي الْخَبَرِ فَإِذَا قُلْت: صَلَّى زَيْدٌ هُنَا لَمْ يُصَلِّ هُنَا امْتَنَعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ هُنَا إمَّا أَنْ تَكُونَ وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ وَكَوْنُهَا هُوَ عَيْنُهَا وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نِسْبَةٌ وَإِضَافَةٌ وَتَعَلُّقٌ فَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِرَادَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالطَّلَبِ وَالدَّفْعِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْبِغْضَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَالْمَضَرَّةِ فَهَذَا لَا يَمْتَنِعُ؛ فَإِنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ مُرَادًا وَيَكُونُ عَدَمُهُ مُرَادًا أَيْضًا. إذَا كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُرِيدِ وَيَكُونُ أَيْضًا وُجُودُهُ أَوْ عَدَمُهُ مُرَادًا مَكْرُوهًا بِحَيْثُ يَلْتَذُّ الْعَبْدُ وَيَتَأَلَّمُ بِوُجُودِهِ وَبِعَدَمِهِ كَمَا قِيلَ:

    ج ٢٠ ص ٢٩٩الشَّيْبُ كُرْهٌ وَكُرْهٌ أَنْ نُفَارِقَهُ … فَاعْجَبْ لِشَيْءٍ عَلَى الْبَغْضَاءِ مَحْبُوبُ

    فَهُوَ يَكْرَهُ الشَّيْبَ وَيَبْغُضُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ زَوَالِ الشَّبَابِ النَّافِعِ وَوُجُودِ الْمَشِيبِ الضَّارِّ وَهُوَ يُحِبُّهُ أَيْضًا وَيَكْرَهُ عَدَمَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ وُجُودِ الْحَيَاةِ وَفِي عَدَمِهِ مِنْ الْفَنَاءِ.

  3. وَهَذِهِ حَالُ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْأُمُورِ لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُعَيَّنَ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يُؤْمَرُ بِعَيْنِهَا وَيَنْهَى عَنْ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ فَإِنَّهُ تَكْلِيفٌ لِلْفَاعِلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ وُجُودِ الْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ وَعَدِمِهِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مُطْلَقَةٌ وَيَنْهَى عَنْ الْكَوْنِ فِي الْبُقْعَةِ فَيَكُونُ مَوْرِدُ الْأَمْرِ غَيْرَ مَوْرِدِ النَّهْي وَلَكِنْ تَلَازَمَا فِي الْمُعَيَّنِ وَالْعَبْدُ هُوَ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا أَنَّ الشَّارِعَ أَمَرَهُ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَأَمَرَهُ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ وَنَهَاهُ عَنْ كَوْنٍ مُطْلَقٍ. وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَالشَّارِعُ لَا يَأْمُرُ بِهِ وَلَا يَنْهَى عَنْهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْمُعَيَّنَاتِ وَهَذَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْمُطْلَقَاتِ بَلْ فِي كُلِّ أَمْرٍ؛ فَإِنَّهُ إذَا أَمَرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ مُطْلَقَةٍ كَقَوْلِهِ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أَوْ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؛ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ بِصَلَاةٍ فِي مَكَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِثَالُ إلَّا بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَإِطْعَامِ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ لِمَسَاكِينَ مُعَيَّنِينَ وَصِيَامِ أَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ وَصَلَاةٍ