بيان المراد بالعقلي والملي والشرعي
فقرة واحدة، ج ٢١ ص ٦٦
- ج ٢١ ص ٦٦
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّات. وَمِنْ الْمَكْرُوهَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا نَهْيَ حَظْرٍ أَوْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: عَقْلِيٍّ وملي وَشَرْعِيٍّ. وَالْمُرَادُ بِالْعَقْلِيِّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَقْلِ مِنْ بَنِي آدَمَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ صِلَةُ كِتَابٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَالْمُرَادُ بالْمِلِّي: مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمِلَلِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ وَالْمُرَادُ بِالشَّرْعِيِّ مَا اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخُصُّ مِنْ ذَلِكَ مَا اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ مَذْهَبٍ أَوْ أَهْلُ طَرِيقَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. لَكِنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ وَالِامْتِيَازَ لَا تُوجِبُهُ شَرِيعَةُ الرَّسُولِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا قَدْ تُوجِبُهُ مَا قَدْ تُوجِبُ بِتَخْصِيصِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَالْأُمَرَاءِ فِي اسْتِفْتَاءٍ أَوْ طَاعَةٍ كَمَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ كُلِّ غَزَاةٍ طَاعَةُ أَمِيرِهِمْ وَأَهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ اسْتِفْتَاءُ عَالِمِهِمْ الَّذِي لَا يَجِدُونَ غَيْرَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمَا مِنْ أَهْلِ شَرِيعَةٍ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَفِي شَرْعِهِمْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ فَإِنَّ مَأْمُورَاتِهِمْ وَمَنْهِيَّاتِهِمْ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ وَمَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ. وَأَمَّا السِّيَاسَاتُ الْمَلَكِيَّةُ الَّتِي لَا تَتَمَسَّكُ بِمِلَّةِ وَكِتَابٍ: فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ فِي كُلِّ سِيَاسَةٍ وَإِمَامَةٍ. وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ لِكُلِّ مَلِكٍ مِنْ خَصِيصَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إلَّا
ج ٢١ ص ٦٧رِعَايَةَ مَنْ يُوَالِيهِ وَدَفْعَ مَنْ يُعَادِيهِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْأَمْرِ بِمَا يَحْفَظُ الْوَلِيَّ وَيَدْفَعُ الْعَدُوَّ كَمَا فِي مَمْلَكَةِ جنكيزخان مَلِكِ التُّرْكِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُلُوكِ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ لَهُمْ مِلَّةٌ صَحِيحَةٌ تَوْحِيدِيَّةٌ وَقَدْ يَكُونُ لَهُمْ مِلَّةٌ كفرية وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُمْ مِلَّةٌ بِحَالِ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ دِينُهُمْ مِمَّا يُوجِبُونَهُ وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا يَسْتَحِبُّونَهُ. وَوَجْهُ الْقِسْمَةِ أَنَّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ الْعُقَلَاءِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أُمُورٍ يُؤْمَرُونَ بِهَا وَأُمُورٍ يُنْهَوْنَ عَنْهَا فَإِنَّ مَصْلَحَتَهُمْ لَا تَتِمُّ بِدُونِ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشُوا فِي الدُّنْيَا بَلْ وَلَا يَعِيشُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ بِدُونِ أُمُورٍ يَفْعَلُونَهَا تَجْلِبُ لَهُمْ الْمَنْفَعَةَ وَأُمُورٍ يَنْفُونَهَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ الْمَضَرَّةَ؛ بَلْ سَائِرُ الْحَيَوَانِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قُوَّتَيْ الِاجْتِلَابِ وَالِاجْتِنَابِ وَمَبْدَؤُهُمَا الشَّهْوَةُ وَالنَّفْرَةُ وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ فَالْقِسْمُ الْمَطْلُوبُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالْقِسْمُ الْمَرْهُوبُ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ. فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأُمُورُ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ - بِحَيْثُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى الشَّوَاذِّ مِنْهُمْ الَّذِينَ خَرَجُوا عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَنْ الْعَقْلِ - وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. وَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ.