عقوبة الدنيا لا تدل على كبر الذنب أو صغره
فقرتان، ج ٢١ ص ١٠١
- ج ٢١ ص ١٠١
النَّقْضِ لَمْ يَبْقَ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ عِنْدَهُ بِلَا مُمَاثَلَةٍ إلَّا الزِّنَا وَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْعُدْوَانِ أَيْضًا وَوُقُوعُ الْقَتْلِ بِهِ نَادِرٌ؛ لِخَفَائِهِ وَصُعُوبَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لَا تَدُلُّ عَلَى كِبَرِ الذَّنْبِ وَصِغَرِهِ؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ دَارَ الْجَزَاءِ وَإِنَّمَا دَارُ الْجَزَاءِ هِيَ الْآخِرَةُ وَلَكِنْ شُرِعَ مِنْ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا مَا يَمْنَعُ الْفَسَادَ وَالْعُدْوَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} . فَهَذَانِ السَّبَبَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَتْهُمَا الْمَلَائِكَةُ هُمَا اللَّذَانِ كَتَبَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ الْقَتْلَ بِهِمَا؛ وَلِهَذَا يُقِرُّ كُفَّارُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ مَعَ أَنَّ ذَنْبَهُمْ فِي تَرْكِ الْإِيمَانِ أَعْظَمُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَنْبِ مَنْ نَقْتُلُهُ مِنْ زَانٍ وَقَاتِلٍ. فَأَبُو حَنِيفَةَ رَأَى أَنَّ الْكُفْرَ مُطْلَقًا إنَّمَا يُقَاتَلُ صَاحِبُهُ لِمُحَارَبَتِهِ فَمَنْ لَا حِرَابَ فِيهِ لَا يُقَاتَلُ وَلِهَذَا يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْعَرَبِ وَإِنْ كَانُوا وَثَنِيِّينَ. وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَمَعَ هَذَا يَجُوزُ الْقَتْلُ تَعْزِيرًا وَسِيَاسَةً فِي مَوَاضِعَ.
- ج ٢١ ص ١٠٢
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَعِنْدَهُ نَفْسُ الْكُفْرِ هُوَ الْمُبِيحُ لِلدَّمِ إلَّا أَنَّ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ تُرِكُوا لِكَوْنِهِمْ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ لِوُجُودِ الْكُفْرِ وَامْتِنَاعِ سَبَبِهَا عِنْدَهُ مِنْ الْكُفْرِ بِلَا مَنْفَعَةٍ. وَأَمَّا أَحْمَد فَالْمُبِيحُ عِنْدَهُ أَنْوَاعٌ أَمَّا الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ فَالْمُبِيحُ عِنْدَهُ هُوَ وُجُودُ الضَّرَرِ مِنْهُ أَوْ عَدَمُ النَّفْعِ فِيهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْمُحَارَبَةُ بِيَدِ أَوْ لِسَانٍ فَلَا يُقْتَلُ مَنْ لَا مُحَارَبَةَ فِيهِ بِحَالِ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؛ وَالرُّهْبَانِ وَالْعُمْيَانِ؛ وَالزَّمْنَى وَنَحْوِهِمْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَالْمُبِيحُ عِنْدَهُ هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَهُوَ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْ الْكُفْرِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ ذَلِكَ لَكَانَ الدَّاخِلُ فِي الدِّينِ يَخْرُجُ مِنْهُ فَقَتْلُهُ حِفْظٌ لِأَهْلِ الدِّينِ وَلِلدِّينِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ النَّقْصِ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ كِتَابِيًّا أَوْ مُشْبِهًا لَهُ فَقَدْ وُجِدَ إحْدَى غَايَتَيْ الْقِتَالِ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ وَثَنِيًّا: فَإِنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ فَفِي جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِ نِزَاعٌ فَمَتَى جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ كَانَ ذَلِكَ كَأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُ وَمَتَى لَمْ يُمْكِنْ اسْتِرْقَاقُهُ وَلَا أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بَقِيَ كَافِرًا لَا مَنْفَعَةَ فِي حَيَاتِهِ لِنَفْسِهِ - لِأَنَّهُ يَزْدَادُ إثْمًا - وَلَا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَيَكُونُ قَتْلُهُ خَيْرًا مِنْ إبْقَائِهِ. وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ: فَإِذَا قُتِلَ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ قِسْمِ الْمُرْتَدِّينَ لِأَنَّهُ بِالْإِسْلَامِ مُلْتَزِمٌ لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهَا فَقَدْ تَرَكَ مَا الْتَزَمَهُ