حد الواجب
فقرتان، ج ٢١ ص ١٦١
- ج ٢١ ص ١٦١
الْجُمُعَةَ وَهُوَ بَعِيدُ الدَّارِ عَنْ الْجَامِعِ؛ فَقَدْ تَرَكَ أَكْثَرَ مِمَّا تَرَكَ قَرِيبُ الدَّارِ وَمَعَ هَذَا فَلَا يُقَالُ: إنَّ عُقُوبَةَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ قَرِيبِ الدَّارِ. وَالْوَاجِبُ: مَا يَكُونُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ فَلَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي لَزِمَهُ فِعْلُهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِ مَقْصُودًا بِالْوُجُوبِ لَكَانَ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ لِتَارِكِهِ أَعْظَمَ فَيَكُونُ مَنْ تَرَكَ الْحَجَّ مِنْ أَهْلِ الْهِنْدِ وَالْأَنْدَلُسِ أَعْظَمَ عِقَابًا مِمَّنْ تَرَكَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ أَعْظَمَ عِقَابًا مِمَّنْ تَرَكَهَا مِنْ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ ثَوَابَ الْبَعِيدِ أَعْظَمُ وَعِقَابَهُ إذَا تَرَكَ لَيْسَ أَعْظَمَ مِنْ عِقَابِ الْقَرِيبِ: نَشَأَتْ مِنْ هَهُنَا الشُّبْهَةُ: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ لَيْسَ بِوَاجِبِ؟ وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ وُجُوبَهُ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ الْعَقْلِيِّ لَا بِطَرِيقِ قَصْدِ الْأَمْرِ؛ بَلْ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ قَدْ لَا يُقْصَدُ طَلَبُ لَوَازِمِهِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا؛ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ فَقَدْ لَا تَخْطُرُ بِقَلْبِهِ اللَّوَازِمُ. وَمَنْ فَهِمَ هَذَا انْحَلَّتْ عَنْهُ شُبَهُ الْكَعْبِيِّ: هَلْ فِي الشَّرِيعَةِ مُبَاحٌ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ الْكَعْبِيَّ زَعَمَ أَنَّهُ لَا مُبَاحَ فِي الشَّرِيعَةِ. . . إلَخْ، فَلَا تَجِدُ قَطُّ مُبْتَدِعًا إلَّا وَهُوَ يُحِبُّ كِتْمَانَ النُّصُوصِ الَّتِي تُخَالِفُهُ وَيُبْغِضُهَا وَيُبْغِضُ إظْهَارَهَا وَرِوَايَتَهَا وَالتَّحَدُّثَ بِهَا وَيُبْغِضُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ:
ج ٢١ ص ١٦٢مَا ابْتَدَعَ أَحَدٌ بِدْعَةً إلَّا نُزِعَتْ حَلَاوَةُ الْحَدِيثِ مِنْ قَلْبِهِ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ الَّذِي يُعَارِضُ بِهِ النُّصُوصَ لَا بُدَّ أَنْ يُلْبِسَ فِيهِ حَقًّا بِبَاطِلِ بِحَسَبِ مَا يَقُولُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ الْمُتَشَابِهَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي أَوَّلِ مَا كَتَبَهُ فِي " الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة فِيمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَتَأَوَّلَتْهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ " مِمَّا كَتَبَهُ فِي حَبْسِهِ - وَقَدْ ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى؛ وَأَبُو الْفَضْلِ التَّمِيمِيُّ؛ وَأَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ؛ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَلَمْ يَنْفِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَالْمَقْصُودُ قَوْلُهُ: - يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَيَخْدَعُونَ جُهَّالَ النَّاسِ بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ. فَإِنْ كَانُوا فِي مَقَامِ دَعْوَةِ النَّاسِ إلَى قَوْلِهِمْ وَالْتِزَامِهِمْ بِهِ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُجِيبَ دَاعِيًا إلَّا إلَى مَا دَعَا إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الرَّسُولَ دَعَا الْخَلْقَ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى النَّاسِ إجَابَةُ مَنْ دَعَا إلَيْهِ وَلَا لَهُ دَعْوَةُ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى حَقٌّ؛ وَهَذِهِ الطَّرِيقُ تَكُونُ أَصْلَحَ إذَا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ مِنْهُمْ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَأَدْخَلُوهُ فِي بِدَعِهِمْ. كَمَا فَعَلَتْ الْجَهْمِيَّة بِمَنْ لَبَّسُوا عَلَيْهِ مِنْ الْخُلَفَاءِ حَتَّى أَدْخَلُوهُ فِي بِدَعِهِمْ مِنْ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ مُنَاظَرَتِهِمْ أَنْ يُقَالَ: ائْتُونَا بِكِتَابِ أَوْ سُنَّةٍ حَتَّى نُجِيبَكُمْ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَسْنَا نُجِيبُكُمْ إلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
- ج ٢١ ص ١٦٣
وَهَذَا لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ النِّزَاعَ إلَّا كِتَابٌ مُنَزَّلٌ مِنْ السَّمَاءِ وَإِذَا رَدُّوا إلَى عُقُولِهِمْ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَقْلٌ. وَمِنْ هُنَا يُعْرَفُ ضَلَالُ مَنْ ابْتَدَعَ طَرِيقًا أَوْ اعْتِقَادًا زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَذْكُرْهُ وَمَا خَالَفَ النُّصُوصَ فَهُوَ بِدْعَةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ خَالَفَهَا فَقَدْ لَا يُسَمَّى بِدْعَةً قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْبِدْعَةُ بِدْعَتَانِ: بِدْعَةٌ خَالَفَتْ كِتَابًا وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا وَأَثَرًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذِهِ بِدْعَةُ ضَلَالَةٍ. وَبِدْعَةٌ لَمْ تُخَالِفْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهَذِهِ قَدْ تَكُونُ حَسَنَةً لِقَوْلِ عُمَرَ: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ هَذَا الْكَلَامُ أَوْ نَحْوُهُ رَوَاهُ البيهقي بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ فِي الْمَدْخَلِ وَيُرْوَى عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَلَّ الْعِلْمُ ظَهَرَ الْجَفَا وَإِذَا قَلَّتْ الْآثَارُ كَثُرَتْ الْأَهْوَاءُ. وَلِهَذَا تَجِدُ قَوْمًا كَثِيرِينَ يُحِبُّونَ قَوْمًا وَيُبْغِضُونَ قَوْمًا لِأَجْلِ أَهْوَاءٍ لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهَا وَلَا دَلِيلَهَا بَلْ يُوَالُونَ عَلَى إطْلَاقِهَا أَوْ يُعَادُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مَنْقُولَةً نَقْلًا صَحِيحًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا هُمْ يَعْقِلُونَ مَعْنَاهَا وَلَا يَعْرِفُونَ لَازِمَهَا وَمُقْتَضَاهَا. وَسَبَبُ هَذَا إطْلَاقُ أَقْوَالٍ لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً وَجَعْلُهَا مَذَاهِبَ يُدْعَى