إبطال من يجعل التخصيص المتصل مجازا
٣ فقرات، ج ٢١ ص ٤٨٦
- ج ٢١ ص ٤٨٦
نَحْنُ نُسَمِّي تِلْكَ الْأُمُورَ مَجَازًا بِخِلَافِ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ: فَهَذَا اصْطِلَاحٌ هُمْ فِيهِ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ مِمَّنْ جَعَلَ أَكْثَرَ كَلَامِ الْعَرَبِ مَجَازًا كَمَا يُحْكَى عَنْ ابْنِ جِنِّيٍّ أَنَّهُ قَالَ: قَوْلُ الْقَائِلِ: خَرَجَ زَيْدٌ: مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالْمَصْدَرُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْخُرُوجِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ زَيْدًا حَصَلَ مِنْهُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْخُرُوجِ؛ هَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ: فَإِنْ أُرِيدَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْخُرُوجِ فَهُوَ مَجَازٌ. فَهَذَا الْكَلَامُ لَا يَقُولُهُ مَنْ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ وَابْنُ جِنِّيٍّ لَهُ فَضِيلَةٌ وَذَكَاءٌ؛ وَغَوْصٌ عَلَى الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ فِي سِرِّ الصِّنَاعَةِ وَالْخَصَائِصِ وَإِعْرَابِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا الْكَلَامُ إنْ كَانَ لَمْ يَقُلْهُ فَهُوَ أَشْبَهُ بِفَضِيلَتِهِ وَإِذَا قَالَهُ فَالْفَاضِلُ قَدْ يَقُولُ مَا لَا يَقُولُهُ إلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُسَمَّى الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الْمُطْلَقَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِقَيْدِ الْعُمُومِ بَلْ وَلَا بِقَيْدِ آخَرَ. فَإِذَا قِيلَ: خَرَجَ زَيْدٌ؛ وَقَامَ بَكْرٌ؛ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَالْفِعْلُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ مُسَمَّى خُرُوجٍ؛ وَمُسَمَّى قِيَامٍ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَى نَوْعِ ذَلِكَ الْخُرُوجِ وَالْقِيَامِ وَلَا عَلَى قَدْرِهِ بَلْ هُوَ صَالِحٌ لِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فَإِنَّهُ أَوْجَبَ رَقَبَةً وَاحِدَةً؛ لَمْ يُوجِبْ كُلَّ رَقَبَةٍ؛ وَهِيَ تَتَنَاوَلُ جَمِيعَ
ج ٢١ ص ٤٨٧الرِّقَابِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَأَيُّ رَقَبَةٍ أَعْتَقَهَا أَجْزَأَتْهُ. كَذَلِكَ إذَا قِيلَ خَرَجَ دَلَّ عَلَى وُجُودِ خُرُوجٍ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ قَلِيلًا؛ وَقَدْ يَكُونُ كَثِيرًا وَقَدْ يَكُونُ رَاكِبًا؛ وَقَدْ يَكُونُ مَاشِيًا؛ وَمَعَ هَذَا فَلَا يُتَنَاوَلُ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ إلَّا خُرُوجٌ يُمْكِنُ مِنْ زَيْدٍ. وَإِمَّا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَقْتَضِي عُمُومَ كُلِّ مَا يُسَمَّى خُرُوجٌ فِي الْوُجُودِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ الْقَائِلُ إلَّا إذَا فَسَدَ تَصَوُّرُهُ وَكَانَ إلَى الْحَيَوَانِ أَقْرَبُ وَالظَّنُّ بِابْنِ جِنِّيٍّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ هَذَا. ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي سَائِر اللُّغَاتِ فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إنَّ أَهْلَ اللُّغَاتِ جَمِيعَهُمْ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْجُمَلِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهُمَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ إنَّمَا وَضَعُوا تِلْكَ الْجُمْلَةَ الْفِعْلِيَّةَ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ فِي الْعَالَمِ وَأَنَّ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ عُدُولٌ بِاللَّفْظِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ؟ وَلَكِنْ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ أَصْلِ الْقَوْلِ بِالْمَجَازِ إذَا أَفْضَى إلَى أَنْ يُقَالَ: فِي الْوُجُودِ مِثْلُ هَذَا الْهَذَيَانِ وَيَجْعَلُ ذَلِكَ مَسْأَلَةَ نِزَاعٍ تُوضَعُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. فَمَنْ قَالَ مِنْ نفاة الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ: إنَّا لَا نُسَمِّي مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ مَجَازًا وَإِنَّمَا نُسَمِّي مَجَازًا مَا خَرَجَ عَنْ مِيزَانِ الْعَدْلِ مِثْلَ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الشُّعَرَاءِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ وَالْهَجْوِ
ج ٢١ ص ٤٨٨وَالْمَرَاثِي وَالْحَمَاسَةِ: فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ اصْطِلَاحًا صَحِيحًا فَهَذَا الِاصْطِلَاحُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِمَّنْ يَجْعَلُ أَكْثَرَ الْكَلَامِ مَجَازًا بَلْ وَمِمَّنْ يَجْعَلُ التَّخْصِيصَ الْمُتَّصِلَ كُلَّهُ مَجَازًا؛ فَيَجْعَلُ مِنْ الْمَجَازِ قَوْلَهُ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا} وَقَوْلَهُ: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} وَقَوْلَهُ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وَقَوْلَهُ: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} وَقَوْلَهُ: {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} وَقَوْلَهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} " وَقَوْلَهُ: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} وَقَوْلَهُ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ} إلَى قَوْلِهِ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} وَقَوْلَهُ: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وَقَوْلَهُ: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} وَقَوْلَهُ: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} وَقَوْلَهُ: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} وَقَوْلَهُ: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ} وَقَوْلَهُ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وَقَوْلَهُ: {إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} وَقَوْلَهُ: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} وَقَوْلَهُ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
- ج ٢١ ص ٤٨٩
مُتَعَمِّدًا} وَقَوْلَهُ: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} وَقَوْلَهُ: {أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} وَقَوْلَهُ: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ} وَقَوْلَهُ: {إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} وَقَوْلَهُ: {إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} وَقَوْلَهُ: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} وَقَوْلَهُ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وَقَوْلَهُ: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} وَقَوْلَهُ: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ} وَقَوْلَهُ: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} وَأَمْثَالَ هَذَا مِمَّا لَا يُعَدُّ إلَّا بِكُلْفَةِ. فَمَنْ جَعَلَ هَذَا كُلَّهُ مَجَازًا وَأَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ هَذَا كُلَّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ اللَّفْظُ لَهُ أَوَّلًا: فَقَوْلُهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ وَلَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ الْكَلَامِ مَجَازًا؛ إذْ كَانَ هَذَا يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ لَفْظٍ مُطْلَقٍ قُيِّدَ بِقَيْدِ وَالْكَلَامُ جُمْلَتَانِ: اسْمِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ وَالِاسْمِيَّةُ أَصْلُهَا الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ؛ فَيَلْزَمُ إذَا وُصِفَ الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ أَوْ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ أَوْ قُيِّدَ بِحَالِ كَانَ مَجَازًا. وَيَلْزَمُهُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ كَانَ وَأَخَوَاتُهَا وَإِنَّ وَأَخَوَاتُهَا وَظَنَنْت وَأَخَوَاتُهَا فَغَيَّرَتْ مَعْنَاهُ وَإِعْرَابَهُ أَنْ يَصِيرَ مَجَازًا: فَإِنَّ دُخُولَ الْقَيْدِ عَلَيْهِ تَارَةً يَكُونُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ؛ وَتَارَةً فِي وَسَطِهِ: وَتَارَةً فِي آخِرِهِ
ج ٢١ ص ٤٩٠لَا سِيَّمَا بَابِ ظَنَنْت؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَزَيْدًا مُنْطَلِقًا ظَنَنْت؛ وَلِهَذَا عِنْدَ التَّقْدِيمِ يَجِبُ الْإِعْمَالُ وَفِي التَّوَسُّطِ يَجُوزُ الْإِلْغَاءُ؛ وَفِي التَّأَخُّرِ يَحْسُنُ مَعَ جَوَازِ الْإِعْمَالِ؛ فَإِنَّهُ إذَا قُدِّمَ الْمَفْعُولُ ضَعُفَ الْعَمَلُ؛ وَلِهَذَا يُقَوُّونَهُ بِدُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ؛ كَمَا يُقَوُّونَهُ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ لِكَوْنِهِ أَضْعَفَ مِنْ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: {لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} وَقَوْلِهِ: {إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} وَقَوْلِهِ: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} . وَيَلْزَمُهُ فِي الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ إذَا قُيِّدَتْ بِمَصْدَرِ مَوْصُوفٍ أَوْ مَعْدُودٍ أَوْ نَوْعٍ مِنْ الْمَصْدَرِ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا كَقَوْلِهِ: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} وَقَوْلِهِ: {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا.} وَكَذَلِكَ ظَرْفُ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُقَيَّدُ بِهِ الْفِعْلُ مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ كَقَوْلِهِ: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} وَقَوْلِهِ: {عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} وَقَوْلِهِ: {وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ} وَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} .
-
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ مَعَ مُبَالَغَتِهِ هُنَا فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ: فَهُوَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَنْصُرُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ مَجَازٌ؛ لَا فِي الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِ وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي مُنَاظَرَةٍ جَرَتْ
ج ٢١ ص ٤٩١لَهُ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ الْحَنْبَلِيِّينَ الَّذِينَ قَالُوا بِالْمَجَازِ فَقَالَ فِي فُنُونِهِ: جَرَتْ مَسْأَلَةٌ هَلْ فِي اللُّغَةِ مَجَازٌ؟ فَاسْتَدَلَّ حَنْبَلِيٌّ أَنَّ فِيهَا مَجَازًا بِأَنَّا وَجَدْنَا أَنَّ مِنْ الْأَسْمَاءِ مَا يَحْصُلُ نَفْيُهُ وَهُوَ تَسْمِيَةُ الرَّجُلِ الْمِقْدَامِ أَسَدًا؛ وَالْعَالِمِ وَالْكَرِيمِ الْوَاسِعِ الْعَطَاءِ وَالْجُودِ بَحْرًا. . . (١) فَنَقُولُ فِيهِ: لَيْسَ بِبَحْرِ وَلَا بِأَسَدِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ نَقُولَ فِي السَّبُعِ الْمَخْصُوصِ وَالْبَحْرِ لَيْسَ بِأَسَدِ وَلَا بَحْرٍ فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي حَسُنَ نَفْيُ الِاسْمِ عَنْهُ أَنَّهُ مُسْتَعَارٌ كَمَا نَقُولُ فِي الْمُسْتَعِيرِ لِمَالِ غَيْرِهِ: لَيْسَ بِمَالِكِ لَهُ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ نَقُولَ فِي الْمَالِكِ لَيْسَ بِمَالِكِ لَهُ. قَالَ: اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ أُصُولِيٌّ حَنْبَلِيٌّ فَقَالَ: الَّذِي عَوَّلْت عَلَيْهِ لَا أُسَلِّمُهُ وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى الصُّورَةِ بَلْ عَلَى الْمُخَصَّصَةِ؛ فَإِنَّ قَوْلَنَا: حَيَوَانٌ: يَشْمَلُ السَّبُعَ وَالْإِنْسَانَ فَإِذَا قُلْنَا: سَبُعٌ وَأَسَدٌ: كَانَ هَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِقْدَامِ وَالْهُوَاشِ وَالتَّفَخُّمِ لِلصِّيَالِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَصُورَةِ السَّبُعِ وَالِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ؛ كَسَوَادِ الْحِبْرِ وَسَوَادِ الْقَارِ جَمِيعًا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي اسْمِ السَّوَادِ بِالْمَعْنَى وَهِيَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي هِيَ هِبَةٌ تَجْمَعُ الْبَصَرَ اتِّسَاعُ الْحَدَقَةِ فَكَذَلِكَ اتِّسَاعُ الْجُودِ وَالْعِلْمِ وَاتِّسَاعُ الْمَاءِ جَمِيعًا يَجْمَعُهُ الِاتِّسَاعُ فَيُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَحْرًا لِلْمَعْنَى الَّذِي جَمَعَهُمَا وَهُوَ حَقِيقَةُ الِاتِّسَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِعَارَةَ لِأَحَدِهِمَا إلَّا إذَا ثَبَتَ سَبْقُ التَّسْمِيَةِ لِأَحَدِهِمَا؛ وَلَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْكَلَامَ
ج ٢١ ص ٤٩٢قَدِيمٌ؛ وَالْقَدِيمُ لَا يَسْبِقُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فَإِنَّ السَّابِقَ وَالْمَسْبُوقَ مِنْ صِفَاتِ بَعْضِهِ الْحَادِثِ مِنْ الزَّمَانِ. قُلْت: فَقَدْ جُعِلَ هَذَا اللَّفْظُ مُتَوَاطِئًا دَالًّا عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ وَلَكِنَّهُ يَخْتَصُّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِقَدْرِ مُتَمَيِّزٍ لِمَا امْتَازَ بِهِ مِنْ الْقَرِينَةِ كَمَا فِي مَا مَثَّلَهُ بِهِ مِنْ السَّوَادِ وَهَذَا بِعَيْنِهِ. يَرُدُّ عَلَيْهِ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ لِلْمَجَازِ.
قَالَ: وَمِنْ أَدِلَّةِ الْمَجَازِ مَا زَعَمَ الْمُسْتَدِلُّونَ لَهُ مِنْ أَجْوَدِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْنُّفَاةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} وقَوْله تَعَالَى {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} وَالصَّلَوَاتُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: إمَّا الْأَدْعِيَةُ وَإِمَّا الْأَفْعَالُ الْمَخْصُوصَةُ وَكِلَاهُمَا لَا يُوصَفُ بِالتَّهَدُّمِ وَالْجَمَادُ لَا يَتَّصِفُ بِالْإِرَادَةِ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ تَسْمِيَةُ الْمُصَلَّى صَلَاةً وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّفْسِيرِ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} أَعْضَاءُ السُّجُودِ. وَالْجِدَارُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إرَادَةٌ لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ مِنْ اللَّهِ فِعْلُ الْإِرَادَةِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إحْدَاثِ أَبْنِيَةٍ مَخْصُوصَةٍ. فَيُقَالُ: هَذَا دَعْوَى عَنْ الْوَضْعِ: إذْ لَا يُعْلَمُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَصْلِ
ج ٢١ ص ٤٩٣إلَّا الدُّعَاءُ وَزِيدَ فِي الشَّرْعِ أَوْ نُقِلَ إلَى الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ فَأَمَّا الْأَبْنِيَةُ فَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ نَقْلٍ عَنْ الْعَرَبِ وَإِنْ سُمِّيَتْ صَلَوَاتٍ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِعَارَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ الصَّلَوَاتِ. وَلَوْ خَلَقَ اللَّهُ فِي الْجِدَارِ إرَادَةً لَمْ يَكُنْ بِهَا مُرِيدًا كَمَا لَوْ خَلَقَ فِيهِ كَلَامًا لَمْ يَكُنْ بِهِ مُتَكَلِّمًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الْمُرَادُ بِهَا عِيسَى نَفْسُهُ: فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَصْدَرَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْمَفْعُولِ بِهِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ كَقَوْلِهِمْ: هَذَا دِرْهَمُ ضَرْبُ الْأَمِيرِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ أَمْرًا وَالْمَقْدُورِ قُدْرَةً وَالْمَرْحُومِ بِهِ رَحْمَةً وَالْمَخْلُوقِ بِالْكَلِمَةِ كَلِمَةً لَكِنَّ هَذَا اللَّفْظَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِمَّا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ كَقَوْلِهِ: {يَا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} فَبَيَّنَ أَنَّ الْكَلِمَةَ هُوَ الْمَسِيحُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ لَيْسَ هُوَ الْكَلَامُ {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فَبَيَّنَ لَمَّا تَعَجَّبَتْ مِنْ الْوَلَدِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ؛ إذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِمَّا يَخْلُقُهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {كُنْ فَيَكُونُ} وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: عِيسَى مَخْلُوقٌ بالكن؛ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الكن