الصريح في لفظ الطلاق

فقرة واحدة، ج ٢١ ص ٥٣٦

  1. كَذَلِكَ بَلْ لَفْظُ السَّرَاحِ وَالْفِرَاقِ فِي الْقُرْآنِ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} فَأَمَرَ بِتَسْرِيحِهِنَّ بَعْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ لَا رَجْعَةَ فِيهِ وَلَيْسَ التَّسْرِيحُ هُنَا تَطْلِيقًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} فَلَفْظُ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الطَّلَاقَ فَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ارْتِجَاعِهَا وَبَيْنَ تَخْلِيَةِ سَبِيلِهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى طَلَاقٍ ثَانٍ. وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ اللَّفْظِ صَرِيحًا فِي خِطَابِ الشَّارِعِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فِي خِطَابِ كُلِّ مَنْ يَتَكَلَّمُ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنَّ الْإِجَارَةَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ إنْ أَرَادَ بِهِ الْبَيْعَ الْخَاصَّ - وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْبَيْعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ - فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ ذَاكَ إنَّمَا يَنْعَقِدُ عَلَى أَعْيَانٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ عَلَى الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ: فَهَذَا صَحِيحٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ؛ إنَّ الْمُعَاوَضَةَ الْعَامَّةَ لَا تَكُونُ عَلَى مَعْدُومِ دَعْوَى مُجَرَّدَةٍ بَلْ دَعْوَى كَاذِبَةٍ فَإِنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَ الْمُعَاوَضَةَ الْعَامَّةَ عَلَى الْمَعْدُومِ. وَإِنْ قَاسَ بَيْعَ الْمَنَافِعِ

    ج ٢١ ص ٥٣٧عَلَى بَيْعِ الْأَعْيَانِ فَقَالَ: كَمَا أَنَّ بَيْعَ الْأَعْيَانِ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى مَوْجُودٍ فَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ - وَهَذِهِ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ - فَهَذَا الْقِيَاسُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنْ يُمْكِنَ إثْبَاتُ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ وَهُوَ هُنَا مُتَعَذَّرٌ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْقَدَ عَلَيْهَا فِي حَالِ وُجُودِهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تُبَاعَ الْمَنَافِعُ فِي حَالِ وُجُودِهَا كَمَا تُبَاعُ الْأَعْيَانُ فِي حَالِ وُجُودِهَا. وَالشَّارِعُ أَمَرَ الْإِنْسَانَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعَقْدَ عَلَى الْأَعْيَانِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ إلَى أَنْ تُخْلَقَ فَنَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ وَبَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَبَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ؛ وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ والملاقيح وَعَنْ الْمَجْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ؛ وَهَذَا كُلُّهُ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِ حَيَوَانٍ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ؛ وَعَنْ بَيْعِ حَبٍّ وَثَمَرٍ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ وَأَمَرَ بِتَأْخِيرِ بَيْعِهِ إلَى أَنْ يُخْلَقَ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ وَهُوَ: مَنْعُ بَيْعِهِ فِي الْحَالِ وَإِجَارَتُهُ فِي حَالٍ يَمْتَنِعُ مِثْلُهُ فِي الْمَنَافِعِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُبَاعَ إلَّا هَكَذَا فَمَا بَقِيَ حُكْمُ الْأَصْلِ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: فَأَنَا أَقِيسُهُ عَلَى بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْمَعْدُومَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هُنَا شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: يُمْكِنُ بَيْعُهُ فِي حَالِ وُجُودِهِ وَحَالِ عَدَمِهِ فَنَهَى الشَّارِعُ عَنْ بَيْعِهِ إلَّا إذَا وُجِدَ. وَالشَّيْءُ الْآخَرُ: لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ إلَّا فِي حَالِ عَدَمِهِ فَالشَّارِعُ لَمَّا نَهَى عَنْ بَيْعِ ذَاكَ حَالَ عَدَمِهِ فَلَا بُدَّ إذَا

    ج ٢١ ص ٥٣٦