تطهير نجاسة الأرض

٣ فقرات، ج ٢٢ ص ٣٢٩

  1. وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الطَّاهِرَاتِ الَّتِي تَخْتَلِطُ بِهِ حَتَّى لَا تَظْهَرَ فِيهِ النَّجَاسَةُ. قِيلَ: إذَا جَازَ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ ظَاهِرَةً فِيهِ وَجَازَ أَنْ لَا تَكُونَ ظَاهِرَةً فَالْأَصْلُ عَدَمُ ظُهُورِهَا وَإِذَا كَانَ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ تُخَالِطُهُ الطَّاهِرَاتُ وَرَأَيْنَاهُ مُتَغَيِّرًا أَحَلْنَا التَّغَيُّرَ عَلَى مُخَالَطَةِ الطَّاهِرَاتِ إذْ الْحُكْمُ الْحَادِثُ يُضَافُ إلَى السَّبَبِ الْمَعْلُومِ لَا إلَى الْمُقَدَّرِ الْمَظْنُونِ. بَلْ قَدْ ثَبَتَ النَّصُّ بِذَلِكَ فِيمَا أَصْلُهُ الْحَظْرُ؛ كَالصَّيْدِ إذَا جُرِحَ وَغَابَ فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ إبَاحَتُهُ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَدْ زُهِقَ بِسَبَبِ آخَرَ أَصَابَهُ فَزُهُوقُهُ إلَى السَّبَبِ الْمَعْلُومِ وَهُوَ جَرْحُ الصَّائِدِ أَوْ كَلْبُهُ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي ثَبَتَ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ. الْأَصْلُ الثَّالِثُ: أَنْ نَقُولَ: هَبْ أَنَّ الْمَاءَ تَنَجَّسَ فَإِنَّهُ صَارَ نَجَاسَةً عَلَى الْأَرْضِ وَالنَّجَاسَةُ إذَا كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ بَوْلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ بَوْلٍ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا إذَا لَمْ تَبْقَ عَيْنُهَا. كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ. حَيْثُ قَالَ: {لَا تزرموه} أَيْ لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بِوَلَهِ. {فَصُبُّوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ} وَقَالَ: {إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ} . وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ: إنَّ نَجَاسَةَ الْأَرْضِ وَالْبِرَكِ وَالْحِيَاضِ الْمَبْنِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ يُخَالِفُ النَّجَاسَةَ عَلَى الْمَنْقُولِ مِنْ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ وَالْآنِيَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.

    ج ٢٢ ص ٣٢٩
  2. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ. لَا مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَلَا غَيْرِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الِانْفِصَالُ عَنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْغُسَالَةَ طَاهِرَةٌ قَبْلَ انْفِصَالِهَا عَنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: مَا كَانَ عَلَى أَرْضِ الْحَمَّامِ مِنْ بَوْلٍ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَدْ جَرَى عَلَيْهِ الْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فَطَهُرَتْ الْأَرْضُ مَعَ طَهَارَةِ الْغُسَالَةِ وَإِذَا كَانَتْ غُسَالَةُ الْأَرْضِ طَاهِرَةً زَالَتْ الشُّبْهَةُ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهُ إنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ يَكُونُ مِنْ الْمَاءِ مَا تُزَالُ بِهِ نَجَاسَةٌ عَنْ الْبَدَنِ أَوْ آنِيَةٍ. أَوْ ثَوْبٍ. قِيلَ لَهُ: فَهَذِهِ إذَا كَانَتْ نَجِسَةً وَأَصَابَتْ الْأَرْضَ لَمْ تَكُنْ أَعْظَمَ مِنْ الْبَوْلِ الْمُصِيبِ الْأَرْضَ وَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ النَّجَاسَةُ تَزُولُ مَعَ طَهَارَةِ الْغُسَالَةِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ فَهَذِهِ أَوْلَى وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ النَّجَاسَةُ مُنْتَفِيَةٌ وَمُرُورُ الْمَاءِ الْمُطَهِّرِ مَشْكُوكٌ فِيهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَاءُ الْمَارُّ مِمَّا لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا. أَوْ لِتَغَيُّرِهِ بِالطَّاهِرَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: لَيْسَ الْكَلَامُ فِي نَجَاسَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُنْتَفِيَةٍ مَشْكُوكٍ فِي زَوَالِهَا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا يُعْتَادُ.

    ج ٢٢ ص ٣٣٠
  3. وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالْعَادَاتِ: أَنَّ الْمَاءَ الْمُطَهِّرَ وَالْجَارِيَ عَلَى أَرْضِ الْحَمَّامِ أَكْثَرُ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِكَثِيرِ كَثِيرٍ. فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَاءُ قَدْ طَهَّرَ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ نَجَسٍ فَإِنَّ اغْتِسَالَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ وَلَا نَجَسٍ فِي الْحَمَّامَاتِ أَكْثَرُ مِنْ اغْتِسَالِهِمْ مِنْ إحْدَى هَاتَيْنِ الطَّهَارَتَيْنِ وَهُمْ يَصُبُّونَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ مِنْ الْمَاءِ الْقَرَاحِ الَّذِي يَنْفَصِلُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَغَيُّرٌ يَسِيرٌ بِيَسِيرِ السِّدْرِ وَالْأُشْنَانِ فَهَذَا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا بَلْ الرَّاجِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ - وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد - الَّتِي نَصَّهَا فِي أَكْثَرِ أَجْوِبَتِهِ: أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِالطَّاهِرِ كَالْحِمْصِ وَالْبَاقِلَاءِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ طَهُورًا مَا دَامَ اسْمُ الْمَاءِ يَتَنَاوَلُهُ كَالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَمَاءِ الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ وَمَا تَغَيَّرَ بِمَا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ مِنْ الطُّحْلُبِ وَوَرَقِ الشَّجَرِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّ شُمُولَ اسْمِ الْمَاءِ فِي اللُّغَةِ لِهَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ. فَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْمَاءِ فِي قَوْلِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} يَتَنَاوَلُ أَحَدَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ فَقَدْ تَنَاوَلَ الْآخَرَيْنِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَنَاوِلٌ لِلْمُتَغَيِّرِ ابْتِدَاءً وَطَرْدًا لِمَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَيَتَنَاوَلُ الثَّالِثَ إذْ الْفَرْقُ إنَّمَا يَعُودُ إلَى أَمْرٍ مَعْهُودٍ وَهُوَ أَنَّ هَذَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي اللُّغَةِ وَيَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ لِمَعْنَاهُ وَشُمُولِ الِاسْمِ مُسَمَّاهُ فَيَحْتَاجُ الْمُفَرِّقُ إلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. وَقَدْ ثَبَتَ

    ج ٢٢ ص ٣٣٢بِالسُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: {اغْسِلُوهُ بِمَاءِ وَسِدْرٍ} وَكَذَلِكَ قَالَ لِلَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: {اغْسِلْنَهَا بِمَاءِ وَسِدْرٍ} وَلِلَّذِي أَسْلَمَ: {اغْتَسِلْ بِمَاءِ وَسِدْرٍ} وَهَذَا فِيهِ كَلَامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَإِذَا تَبَيَّنَ مَا ذَكَرْنَاهُ ظَهَرَ عَظِيمُ الْبِدْعَةِ وَتَغْيِيرُ السُّنَّةِ وَالشِّرْعَةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ طَوَائِفُ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ فَرْطِ الْوَسْوَسَةِ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى صَارُوا إنَّمَا يَفْعَلُونَهُ مُضَاهِينَ لِلْيَهُودِ بَلْ لِلسَّامِرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا مِسَاسَ. وَبَابُ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ - الَّذِي مِنْهُ بَابُ التَّطْهِيرِ وَالتَّنْجِيسِ - دِينُ الْإِسْلَامِ فِيهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا هُوَ وَسَطٌ فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ فَلَمْ يُشَدَّدْ عَلَيْنَا فِي أَمْرِ التَّحْرِيمِ وَالنَّجَاسَةِ كَمَا شُدِّدَ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٌ أُحِلَّتْ لَهُمْ بِظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ بَلْ وُضِعَتْ عَنَّا الْآصَارُ وَالْأَغْلَالُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِثْلَ قَرْضِ الثَّوْبِ وَمُجَانَبَةِ الْحَائِضِ فِي الْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُضَاجَعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمْ تُحَلَّلْ لَنَا الْخَبَائِثُ كَمَا اسْتَحَلَّهَا النَّصَارَى؛ الَّذِينَ لَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يُدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ فَلَا يَجْتَنِبُونَ نَجَاسَةً وَلَا يُحَرِّمُونَ خَبِيثًا بَلْ غَايَةُ أَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ طَهِّرْ قَلْبَك وَصَلِّ. وَالْيَهُودِيُّ إنَّمَا يَعْتَنِي بِطَهَارَةِ ظَاهِرِهِ

    ج ٢٢ ص ٣٣١