وصف الإمام للواسطية والسبب في كتابتها

٣ فقرات، ج ٤ ص ١٦٤

  1. أَرْسَلْت مَنْ أَحْضَرَهَا وَمَعَهَا كَرَارِيسُ بِخَطِّي مِنْ الْمَنْزِلِ فَحَضَرَتْ " الْعَقِيدَةُ الواسطية " وَقُلْت لَهُمْ: هَذِهِ كَانَ سَبَبُ كِتَابَتِهَا أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ أَرْضِ وَاسِطٍ بَعْضُ قُضَاةِ نَوَاحِيهَا - شَيْخٌ يُقَالُ لَهُ " رَضِيُّ الدِّينِ الواسطي " مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - قَدِمَ عَلَيْنَا حَاجًّا وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ وَشَكَا مَا النَّاسُ فِيهِ بِتِلْكَ الْبِلَادِ وَفِي دَوْلَةِ التتر مِنْ غَلَبَةِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ وَدُرُوسِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَسَأَلَنِي أَنْ أَكْتُبَ لَهُ عَقِيدَةً تَكُونُ عُمْدَةً لَهُ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ فَاسْتَعْفَيْت مِنْ ذَلِكَ وَقُلْت: قَدْ كَتَبَ النَّاسُ عَقَائِدَ مُتَعَدِّدَةً؛ فَخُذْ بَعْضَ عَقَائِدِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ فَأَلَحَّ فِي السُّؤَالِ وَقَالَ: مَا أُحِبُّ إلَّا عَقِيدَةً تَكْتُبُهَا أَنْتَ فَكَتَبْت لَهُ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ وَأَنَا قَاعِدٌ بَعْدَ الْعَصْرِ وَقَدْ انْتَشَرَتْ بِهَا نُسَخٌ كَثِيرَةٌ؛ فِي مِصْرَ؛ وَالْعِرَاقِ؛ وَغَيْرِهِمَا. فَأَشَارَ الْأَمِيرُ بِأَنْ لَا أَقْرَأَهَا أَنَا لِرَفْعِ الرِّيبَةِ وَأَعْطَاهَا لِكَاتِبِهِ الشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ فَقَرَأَهَا عَلَى الْحَاضِرِينَ حَرْفًا حَرْفًا وَالْجَمَاعَةُ الْحَاضِرُونَ يَسْمَعُونَهَا وَيُورِدُ الْمَوْرِدَ مِنْهُمْ مَا شَاءَ وَيُعَارِضُ فِيمَا شَاءَ وَالْأَمِيرُ أَيْضًا: يَسْأَلُ عَنْ مَوَاضِعَ فِيهَا وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ مَا كَانَ فِي نُفُوسِ طَائِفَةٍ مِنْ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْخِلَافِ وَالْهَوَى مَا قَدْ عَلِمَ النَّاسُ بَعْضَهُ وَبَعْضُهُ بِسَبَبِ الِاعْتِقَادِ وَبَعْضُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا يُمْكِنُ ذِكْرُ مَا جَرَى مِنْ الْكَلَامِ وَالْمُنَاظَرَاتِ: فِي هَذِهِ الْمَجَالِسِ فَإِنَّهُ

    ج ٤ ص ١٦٥كَثِيرٌ لَا يَنْضَبِطُ؛ لَكِنْ أَكْتُبُ مُلَخَّصَ مَا حَضَرَنِي مِنْ ذَلِكَ مَعَ بُعْدِ الْعَهْدِ بِذَلِكَ وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ يَجْرِي رَفْعُ أَصْوَاتٍ وَلَغَطٌ لَا يَنْضَبِطُ. فَكَانَ مِمَّا اعْتَرَضَ عَلَيَّ بَعْضُهُمْ - لِمَا ذَكَرَ فِي أَوَّلِهَا وَمِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ: الْإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ فَقَالَ: - مَا الْمُرَادُ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّعْطِيلِ؟ وَمَقْصُودُهُ أَنَّ هَذَا يَنْفِي التَّأْوِيلَ الَّذِي أَثْبَتَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ الَّذِي هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ؛ إمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا جَوَازًا فَقُلْت: تَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ كَمَا ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَهُوَ إزَالَةُ اللَّفْظِ عَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى مِثْلُ تَأْوِيلِ بَعْضِ الْجَهْمِيَّة لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} أَيْ جَرَحَهُ بِأَظَافِيرِ الْحِكْمَةِ تَجْرِيحًا وَمِثْلُ تَأْوِيلَاتِ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فَسَكَتَ وَفِي نَفْسِي مَا فِيهَا.

    ج ٤ ص ١٦٤
  2. وَذَكَرْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَجْلِسِ: أَنِّي عَدَلْت عَنْ لَفْظِ التَّأْوِيلِ إلَى لَفْظِ التَّحْرِيفِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيفَ اسْمٌ جَاءَ الْقُرْآنُ بِذَمِّهِ وَأَنَا تَحَرَّيْت فِي هَذِهِ الْعَقِيدَةِ اتِّبَاعَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَنَفَيْت مَا ذَمَّهُ اللَّهُ مِنْ التَّحْرِيفِ وَلَمْ أَذْكُرْ فِيهَا لَفْظَ التَّأْوِيلِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ كَمَا بَيَّنْته فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْقَوَاعِدِ

    ج ٤ ص ١٦٦فَإِنَّ مَعْنَى لَفْظِ " التَّأْوِيلِ " فِي كِتَابِ اللَّهِ: غَيْرُ مَعْنَى لَفْظِ التَّأْوِيلِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرُ مَعْنَى لَفْظِ التَّأْوِيلِ فِي اصْطِلَاحِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالسَّلَفِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي قَدْ تُسَمَّى تَأْوِيلًا مَا هُوَ صَحِيحٌ مَنْقُولٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ؛ فَلَمْ أَنْفِ مَا تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى صِحَّتِهِ فَإِذَا مَا قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَى صِحَّتِهِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ السَّلَفِ: فَلَيْسَ مِنْ التَّحْرِيفِ وَقُلْت لَهُ أَيْضًا: ذَكَرْت فِي النَّفْيِ التَّمْثِيلَ وَلَمْ أَذْكُرْ التَّشْبِيهَ؛ لِأَنَّ التَّمْثِيلَ نَفَاهُ اللَّهُ بِنَصِّ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وَقَالَ: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} وَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ لَفْظٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعْنَى بِنَفْيِهِ مَعْنًى صَحِيحٌ كَمَا قَدْ يُعْنَى بِهِ مَعْنًى فَاسِدٌ وَلَمَّا ذَكَرْت أَنَّهُمْ لَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلَا يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ: جَعَلَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ يتمعض مِنْ ذَلِكَ؛ لِاسْتِشْعَارِهِ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرَّدِّ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ؛ وَلَكِنْ لَمْ يَتَوَجَّهْ لَهُ مَا يَقُولُهُ؛ وَأَرَادَ أَنْ يَدُورَ بِالْأَسْئِلَةِ الَّتِي أَعْلَمُهَا: فَلَمْ يَتَمَكَّنْ لِعِلْمِهِ بِالْجَوَابِ وَلَمَّا ذَكَرْت آيَةَ الْكُرْسِيِّ: أَظُنُّهُ سَأَلَ الْأَمِيرَ عَنْ قَوْلِنَا: لَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ فَذَكَرْت حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الَّذِي كَانَ يَسْرِقُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَذَكَرْت أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ وَأَخَذُوا يَذْكُرُونَ نَفْيَ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَيُطْنِبُونَ فِي هَذَا وَيُعْرِضُونَ لِمَا يَنْسُبُهُ بَعْضُ النَّاسِ إلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ

    ج ٤ ص ١٦٧فَقُلْت: قَوْلِي مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ: يَنْفِي كُلَّ بَاطِلٍ وَإِنَّمَا اخْتَرْت هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّكْيِيفَ مَأْثُورٌ نَفْيُهُ عَنْ السَّلَفِ كَمَا قَالَ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَة وَغَيْرُهُمْ - الْمُقَالَةُ الَّتِي تَلَقَّاهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ - الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ " فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ السَّلَفُ: عَلَى أَنَّ التَّكْيِيفَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا فَنَفَيْت ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِسَلَفِ الْأُمَّةِ. وَهُوَ أَيْضًا مَنْفِيٌّ بِالنَّصِّ فَإِنَّ تَأْوِيلَ آيَاتِ الصِّفَاتِ يَدْخُلُ فِيهَا حَقِيقَةُ الْمَوْصُوفِ وَحَقِيقَةُ صِفَاتِهِ وَهَذَا مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ كَمَا قَدْ قَرَّرْت ذَلِكَ فِي قَاعِدَةٍ مُفْرَدَةٍ ذَكَرْتهَا فِي التَّأْوِيلِ وَالْمَعْنَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِنَا بِمَعْنَى الْكَلَامِ وَبَيْنَ عِلْمِنَا بِتَأْوِيلِهِ وَكَذَلِكَ التَّمْثِيلُ: مَنْفِيٌّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ مَعَ دَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى نَفْيِهِ وَنَفْيِ التَّكْيِيفِ، إذْ كُنْهُ الْبَارِي غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْبَشَرِ، وَذَكَرْت فِي ضِمْنِ ذَلِكَ كَلَامَ الخطابي الَّذِي نَقَلَ أَنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَهُوَ إجْرَاءُ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ نَفْيِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا، إذْ الْكَلَامُ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، يُحْتَذَى فِيهِ حَذْوُهُ وَيُتَّبَعُ فِيهِ مِثَالُهُ فَإِذَا كَانَ إثْبَاتُ الذَّاتِ: إثْبَاتَ وُجُودٍ لَا إثْبَاتَ تَكْيِيفٍ فَكَذَلِكَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ: إثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إثْبَاتُ تَكْيِيفٍ

    ج ٤ ص ١٦٨فَقَالَ أَحَدُ كِبَارِ الْمُخَالِفِينَ: فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ فَقُلْت لَهُ أَنَا وَبَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْحَاضِرِينَ: إنَّمَا قِيلَ إنَّهُ يُوصَفُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ حَتَّى يَلْزَمَ هَذَا السُّؤَالُ وَأَخَذَ بَعْضُ الْقُضَاةِ الْحَاضِرِينَ وَالْمَعْرُوفِينَ بِالدِّيَانَةِ: يُرِيدُ إظْهَارَ أَنْ يَنْفِيَ عَنَّا مَا يَقُولُ وَيَنْسُبُهُ الْبَعْضُ إلَيْنَا فَجَعَلَ يَزِيدُ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ فَقُلْت: ذَكَرْت فِيهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَقُلْت فِي صَدْرِهَا: وَمِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ الْإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ ثُمَّ قُلْت: وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا كَذَلِكَ إلَى أَنْ قُلْت: إلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ - أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ -: يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ كَمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ بَلْ هُمْ وَسَطٌ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ كَمَا أَنَّ الْأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ

  3. فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللَّهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الْجَهْمِيَّة وَبَيْنَ أَهْلِ التَّمْثِيلِ الْمُشَبِّهَةِ وَلَمَّا رَأَى هَذَا الْحَاكِمُ الْعَدْلُ: مُمَالَأَتَهُمْ وَتَعَصُّبَهُمْ وَرَأَى قِلَّةَ الْعَارِفِ النَّاصِرِ وَخَافَهُمْ قَالَ: أَنْتَ صَنَّفْت اعْتِقَادَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَتَقُولُ هَذَا اعْتِقَادُ أَحْمَدَ يَعْنِي وَالرَّجُلُ يُصَنِّفُ عَلَى مَذْهَبِهِ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذَا مَذْهَبٌ مَتْبُوعٌ وَغَرَضُهُ بِذَلِكَ قَطْعُ مُخَاصَمَةِ الْخُصُومِ فَقُلْت: مَا جَمَعْت إلَّا عَقِيدَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ جَمِيعِهِمْ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ اخْتِصَاصٌ بِهَذَا، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ إنَّمَا هُوَ مُبَلِّغُ الْعِلْمِ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ قَالَ أَحْمَدُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مَا لَمْ يَجِئْ بِهِ الرَّسُولُ لَمْ نَقْبَلْهُ وَهَذِهِ عَقِيدَةُ مُحَمَّدٍ وَقُلْت مَرَّاتٍ: قَدْ أَمْهَلْت كُلَّ مَنْ خَالَفَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهَا ثَلَاثَ سِنِينَ فَإِنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ - الَّتِي أَثْنَى عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: " {خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ} - يُخَالِفُ مَا ذَكَرْته فَأَنَا أَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ وَعَلَيَّ أَنْ آتِيَ بِنُقُولِ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ - عَنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ تُوَافِقُ مَا ذَكَرْته - مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنْبَلِيَّةِ، وَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالصُّوفِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ

    ج ٤ ص ١٦٩