بيان ما اعترض به المتنازعون بعد قراءة الواسطية

٦ فقرات، ج ٤ ص ١٧٧

  1. وَكَانَ مَجْمُوعُ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمُنَازِعُونَ الْمُعَانِدُونَ بَعْدَ انْقِضَاءِ قِرَاءَةِ جَمِيعِهَا وَالْبَحْثِ فِيهَا عَنْ أَرْبَعَةِ أَسْئِلَةٍ: - الْأَوَّلُ: قَوْلُنَا وَمِنْ أُصُولِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ وَالدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ. قَالُوا: فَإِذَا قِيلَ إنَّ هَذَا مِنْ أُصُولِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ خَرَجَ عَنْ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ: مِثْلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ وَمَنْ يَقُولُ الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ النَّاجِينَ: لَزِمَ أَنْ يَكُونُوا هَالِكِينَ. وَأَمَّا الْأَسْئِلَةُ الثَّلَاثَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ عُمْدَتَهُمْ فَأَوْرَدُوهَا عَلَى قَوْلِنَا وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ: الْإِيمَانُ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَتَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ عَلِيٌّ عَلَى خَلْقِهِ وَهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَهُوَ مَعَكُمْ} أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ فَإِنَّ هَذَا لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَخِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ

    ج ٤ ص ١٧٨بَلْ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ وَغَيْرِ الْمُسَافِرِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ مُطَّلِعٌ إلَيْهِمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ. وَكُلُّ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ مَعَنَا حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيفٍ، وَلَكِنْ يُصَانُ عَلَى الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: قَالَ بَعْضُهُمْ: نُقِرُّ بِاللَّفْظِ الْوَارِدِ مِثْلِ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ حَدِيثِ الْأَوْعَالِ وَاَللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَا نَقُولُ فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَلَا نَقُولُ عَلَى الْعَرْشِ. وَقَالُوا أَيْضًا: نَقُولُ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وَلَا نَقُولُ اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وَلَا نَقُولُ مُسْتَوٍ وَأَعَادُوا هَذَا الْمَعْنَى مِرَارًا، أَيْ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي وَرَدَ يُقَالُ اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ وَلَا يُبَدَّلُ بِلَفْظِ يُرَادِفُهُ وَلَا يُفْهَمُ لَهُ مَعْنًى أَصْلًا. وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ لِلَّهِ أَصْلًا، وَنَبْسُطُ الْكَلَامَ فِي هَذَا فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَالُوا: التَّشْبِيهُ بِالْقَمَرِ فِيهِ تَشْبِيهُ كَوْنِ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ بِكَوْنِ الْقَمَرِ فِي السَّمَاءِ. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: قَالُوا: قَوْلُك حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ الْحَقِيقَةُ هِيَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَلَا يُفْهَمُ مِنْ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ إلَّا اسْتِوَاءُ الْأَجْسَامِ وَفَوْقِيَّتُهَا، وَلَمْ تَضَعْ الْعَرَبُ ذَلِكَ إلَّا لَهَا، فَإِثْبَاتُ الْحَقِيقَةِ هُوَ مَحْضُ التَّجْسِيمِ وَنَفْيُ التَّجْسِيمِ مَعَ هَذَا تَنَاقُضٌ أَوْ مُصَانَعَةٌ

    ج ٤ ص ١٧٩فَأَجَبْتهمْ عَنْ الْأَسْئِلَةِ بِأَنَّ قَوْلِي اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ هِيَ الْفِرْقَةُ الَّتِي وَصَفَهَا النَّبِيُّ بِالنَّجَاةِ حَيْثُ قَالَ: " {تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي} . فَهَذَا الِاعْتِقَادُ: هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُمْ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَكُلُّ مَا ذَكَرْته فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَأْثُورٌ عَنْ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَإِذَا خَالَفَهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ لِمَا يَضُرُّ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ قُلْت لَهُمْ: وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ خَالَفَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الِاعْتِقَادِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَالِكًا فَإِنَّ الْمُنَازِعَ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا يَغْفِرُ اللَّهُ خَطَأَهُ وَقَدْ لَا يَكُونُ بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا كَانَتْ أَلْفَاظُ الْوَعِيدِ الْمُتَنَاوَلَةُ لَهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا الْمُتَأَوِّلُ وَالْقَانِتُ وَذُو الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ وَالْمَغْفُورُ لَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ: فَهَذَا أَوْلَى، بَلْ مُوجِبُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ نَجَا فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ وَمَنْ اعْتَقَدَ ضِدَّهُ فَقَدْ يَكُونُ نَاجِيًا وَقَدْ لَا يَكُونُ نَاجِيًا كَمَا يُقَالُ مَنْ صَمَتَ نَجَا. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي: فَأَجَبْتهمْ أَوَّلًا بِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ قُلْته فَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ النَّبِيِّ مِثْلُ لَفْظِ فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَلَفْظِ عَلَى الْعَرْشِ وَفَوْقَ

    ج ٤ ص ١٧٧
  2. الْعَرْشِ وَقُلْت: اُكْتُبُوا الْجَوَابَ فَأَخَذَ الْكَاتِبُ فِي كِتَابَتِهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ: قَدْ طَالَ الْمَجْلِسُ الْيَوْمَ فَيُؤَخَّرُ هَذَا إلَى مَجْلِسٍ آخَرَ وَتَكْتُبُونَ أَنْتُمْ الْجَوَابَ وَتُحْضِرُونَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. فَأَشَارَ بَعْضُ الْمُوَافِقِينَ بِأَنْ يُتَمَّمَ الْكَلَامُ بِكِتَابَةِ الْجَوَابِ، لِئَلَّا تَنْتَشِرَ أَسْئِلَتُهُمْ وَاعْتِرَاضُهُمْ وَكَانَ الْخُصُومُ لَهُمْ غَرَضٌ فِي تَأْخِيرِ كِتَابَةِ الْجَوَابِ لِيَسْتَعِدُّوا لِأَنْفُسِهِمْ وَيُطَالِعُوا وَيُحْضِرُوا مَنْ غَابَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ وَيَتَأَمَّلُوا الْعَقِيدَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ الطَّعْنِ وَالِاعْتِرَاضِ، فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنْ يَكُونَ تَمَامُ الْكَلَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقُمْنَا عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ قِيَامِ الْحُجَّةِ وَبَيَانِ الْمَحَجَّةِ: مَا أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ وَأَرْغَمَ بِهِ أَهْلَ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ وَفِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أُمُورٌ لِمَا يَحْدُثُ فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي وَأَخَذُوا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ يَتَأَمَّلُونَهَا وَيَتَأَمَّلُونَ مَا أَجَبْت بِهِ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ مِثْلِ الْمَسْأَلَةِ الحموية فِي الِاسْتِوَاءِ وَالصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَغَيْرِهَا.

    ج ٤ ص ١٨٠
  3. فَصْلٌ:
  4. فَلَمَّا كَانَ الْمَجْلِسُ الثَّانِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجَبٍ وَقَدْ أَحْضَرُوا أَكْثَرَ شُيُوخِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا ذَلِكَ الْمَجْلِسَ وَأَحْضَرُوا مَعَهُمْ زِيَادَةً " صَفِيَّ الدِّينِ الْهِنْدِيَّ " وَقَالُوا: هَذَا أَفْضَلُ الْجَمَاعَةِ وَشَيْخُهُمْ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَبَحَثُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاتَّفَقُوا وَتَوَاطَئُوا وَحَضَرُوا بِقُوَّةِ وَاسْتِعْدَادٍ غَيْرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمَجْلِسَ الْأَوَّلَ أَتَاهُمْ بَغْتَةً وَإِنْ كَانَ أَيْضًا بَغْتَةً لِلْمُخَاطَبِ الَّذِي هُوَ الْمَسْئُولُ وَالْمُجِيبُ وَالْمُنَاظِرُ. فَلَمَّا اجْتَمَعْنَا: وَقَدْ أَحْضَرْت مَا كَتَبْته مِنْ الْجَوَابِ عَنْ أَسْئِلَتِهِمْ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّذِي طَلَبُوا تَأْخِيرَهُ إلَى الْيَوْمِ: حَمِدْت اللَّهَ بِخُطْبَةِ الْحَاجَةِ، خُطْبَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ قُلْت: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف وَنَهَانَا عَنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ. وَقَالَ لَنَا فِي الْقُرْآنِ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} وَقَالَ: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} وَقَالَ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} .

  5. وَرَبُّنَا وَاحِدٌ وَكِتَابُنَا وَاحِدٌ وَنَبِيُّنَا وَاحِدٌ، وَأُصُولُ الدِّينِ لَا تَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ وَالِاخْتِلَافَ، وَأَنَا أَقُولُ مَا يُوجِبُ الْجَمَاعَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ السَّلَفِ، فَإِنْ وَافَقَ الْجَمَاعَةَ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِلَّا فَمَنْ خَالَفَنِي بَعْدَ ذَلِكَ: كَشَفْت لَهُ الْأَسْرَارَ وَهَتَكْت الْأَسْتَارَ وَبَيَّنْت الْمَذَاهِبَ الْفَاسِدَةَ الَّتِي أَفْسَدَتْ الْمِلَلَ وَالدُّوَلَ، وَأَنَا أَذْهَبُ إلَى سُلْطَانِ الْوَقْتِ عَلَى الْبَرِيدِ وَأُعَرِّفُهُ مِنْ الْأُمُورِ مَا لَا أَقُولُهُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ فَإِنَّ لِلسِّلْمِ كَلَامًا وَلِلْحَرْبِ كَلَامًا. وَقُلْت: لَا شَكَّ أَنَّ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ، يَقُولُ هَذَا أَنَا حَنْبَلِيٌّ وَيَقُولُ هَذَا أَنَا أَشْعَرِيٌّ وَيَجْرِي بَيْنَهُمْ تَفَرُّقٌ وَفِتَنٌ وَاخْتِلَافٌ عَلَى أُمُورٍ لَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهَا. وَأَنَا قَدْ أَحْضَرْت مَا يُبَيِّنُ اتِّفَاقَ الْمَذَاهِبِ فِيمَا ذَكَرْته وَأَحْضَرْت (كِتَابَ تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرِي فِيمَا يُنْسَبُ إلَى الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَأْلِيفُ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقُلْت: لَمْ يُصَنَّفْ فِي أَخْبَارِ الْأَشْعَرِيِّ الْمَحْمُودَةِ كِتَابٌ مِثْلُ هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ لَفْظَهُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ " الْإِبَانَةِ " . فَلَمَّا انْتَهَيْت إلَى ذِكْرِ الْمُعْتَزِلَةِ: سَأَلَ الْأَمِيرُ عَنْ مَعْنَى الْمُعْتَزِلَةِ فَقُلْت: كَانَ النَّاسُ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْفَاسِقِ الْمِلِّي وَهُوَ أَوَّلُ اخْتِلَافٍ حَدَثَ فِي الْمِلَّةِ هَلْ هُوَ كَافِرٌ أَوْ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَتْ الْخَوَارِجُ: إنَّهُ كَافِرٌ. وَقَالَتْ الْجَمَاعَةُ:

    ج ٤ ص ١٨٣إنَّهُ مُؤْمِنٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: نَقُولُ هُوَ فَاسِقٌ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ نُنَزِّلُهُ مَنْزِلَةً بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَخَلَّدُوهُ فِي النَّارِ وَاعْتَزَلُوا حَلَقَةَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَصْحَابِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَسُمُّوا مُعْتَزِلَةً. وَقَالَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ بِجُبَّتِهِ وَرِدَائِهِ: لَيْسَ كَمَا قُلْت، وَلَكِنَّ أَوَّلَ مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ مَسْأَلَةُ الْكَلَامِ وَسُمِّيَ الْمُتَكَلِّمُونَ مُتَكَلِّمِينَ لِأَجْلِ تَكَلُّمِهِمْ فِي ذَلِكَ وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ثُمَّ خَلَفَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَطَاءُ بْنُ وَاصِلٍ هَكَذَا قَالَ وَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ هَذَا. فَغَضِبْت عَلَيْهِ وَقُلْت: أَخْطَأْت، وَهَذَا كَذِبٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ. وَقُلْت لَهُ: لَا أَدَبَ وَلَا فَضِيلَةَ، لَا تَأَدَّبْت مَعِي فِي الْخِطَابِ، وَلَا أَصَبْت فِي الْجَوَابِ ثُمَّ قُلْت: النَّاسُ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ فِي خِلَافَةِ الْمَأْمُونِ وَبَعْدَهَا فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثِيرِ فِي زَمَنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ بَعْدَ مَوْتِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَكُنْ أُولَئِكَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَلَا تَنَازَعُوا فِيهَا وَإِنَّمَا أَوَّلُ بِدْعَتِهِمْ تَكَلُّمُهُمْ فِي مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ وَالْوَعِيدِ. فَقَالَ: هَذَا ذَكَرَهُ الشِّهْرِسْتَانِيّ فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ. فَقُلْت: الشِّهْرِسْتَانِيّ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي اسْمِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِمَ سُمُّوا مُتَكَلِّمِينَ؟ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي اسْمِ الْمُعْتَزِلَةِ

    ج ٤ ص ١٨٤وَالْأَمِيرُ إنَّمَا سَأَلَ عَنْ اسْمِ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَنْكَرَ الْحَاضِرُونَ عَلَيْهِ وَقَالُوا: غَلِطْت. وَقُلْت: فِي ضِمْنِ كَلَامِي أَنَا أَعْلَمُ كُلَّ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَأَوَّلُ مَنْ ابْتَدَعَهَا وَمَا كَانَ سَبَبَ ابْتِدَاعِهَا. وَأَيْضًا فَمَا ذَكَرَهُ الشِّهْرِسْتَانِيّ لَيْسَ بِصَحِيحِ فِي اسْمِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِهَذَا الِاسْمِ قَبْلَ مُنَازَعَتِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَكَانُوا يَقُولُونَ عَنْ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ: إنَّهُ مُتَكَلِّمٌ وَيَصِفُونَهُ بِالْكَلَامِ وَلَمْ يَكُنْ النَّاسُ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ. وَقُلْت أَنَا وَغَيْرِي: إنَّمَا هُوَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ، أَيْ: لَا عَطَاءُ بْنُ وَاصِلٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ قُلْت: وَوَاصِلٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ مَوْتِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَإِنَّمَا كَانَ قَرِينَهُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ وَاصِلًا تَكَلَّمَ مَرَّةً بِكَلَامِ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: لَوْ بُعِثَ نَبِيٌّ مَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا، وَفَصَاحَتُهُ مَشْهُورَةٌ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ كَانَ أَلْثَغَ وَكَانَ يَحْتَرِزُ عَنْ الرَّاءِ حَتَّى قِيلَ لَهُ: أَمَرَ الْأَمِيرُ أَنْ يُحْفَرَ بِئْرٌ. فَقَالَ: أَوْعَزَ الْقَائِدُ أَنْ يُقْلَبَ قَلِيبٌ فِي الْجَادَّةِ. وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ إلَى مَا قَالَهُ الْأَشْعَرِيُّ: قَالَ الشَّيْخُ الْمُقَدَّمُ فِيهِمْ لَا رَيْبَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ إمَامٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ وَمِنْ أَكْبَرِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لَكِنْ قَدْ انْتَسَبَ إلَيْهِ أُنَاسٌ ابْتَدَعُوا أَشْيَاءَ.

    ج ٤ ص ١٨٢
  6. فَقُلْت: أَمَّا هَذَا فَحَقٌّ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ خَصَائِصِ أَحْمَدَ بَلْ مَا مِنْ إمَامٍ إلَّا وَقَدْ انْتَسَبَ إلَيْهِ أَقْوَامٌ هُوَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ قَدْ انْتَسَبَ إلَى مَالِكٍ أُنَاسٌ مَالِكٌ بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَانْتَسَبَ إلَى الشَّافِعِيِّ أُنَاسٌ هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَانْتَسَبَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ أُنَاسٌ هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَقَدْ انْتَسَبَ إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أُنَاسٌ هُوَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَانْتَسَبَ إلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أُنَاسٌ هُوَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَقَدْ انْتَسَبَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أُنَاسٌ هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَنَبِيُّنَا قَدْ انْتَسَبَ إلَيْهِ مَنْ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ الْمَلَاحِدَةِ وَالْمُنَافِقِينَ مَنْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُمْ. وَذَكَرَ فِي كَلَامِهِ، أَنَّهُ انْتَسَبَ إلَى أَحْمَدَ نَاسٌ مِنْ الْحَشْوِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ وَنَحْوِ هَذَا الْكَلَامِ. فَقُلْت: الْمُشَبِّهَةُ وَالْمُجَسِّمَةُ فِي غَيْرِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فِيهِمْ، هَؤُلَاءِ أَصْنَافُ الْأَكْرَادِ كُلُّهُمْ شَافِعِيَّةٌ وَفِيهِمْ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ مَا لَا يُوجَدُ فِي صِنْفٍ آخَرَ وَأَهْلُ جِيلَانَ فِيهِمْ شَافِعِيَّةٌ وَحَنْبَلِيَّةٌ. قُلْت: وَأَمَّا الْحَنْبَلِيَّةُ الْمَحْضَةُ فَلَيْسَ فِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي غَيْرِهِمْ. وَكَانَ مِنْ تَمَامِ الْجَوَابِ أَنَّ الكَرَّامِيَة الْمُجَسِّمَةَ كُلَّهُمْ حَنَفِيَّةٌ وَتَكَلَّمْت عَلَى لَفْظِ الْحَشْوِيَّةِ - مَا أَدْرِي جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ الْأَمِيرِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِ جَوَابٍ - فَقُلْت: هَذَا اللَّفْظُ أَوَّلُ مَنْ ابْتَدَعَهُ الْمُعْتَزِلَةُ، فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَ الْجَمَاعَةَ

    ج ٤ ص ١٨٦وَالسَّوَادَ الْأَعْظَمَ الْحَشْوَ، كَمَا تُسَمِّيهِمْ الرَّافِضَةُ الْجُمْهُورَ، وَحَشْوُ النَّاسِ: هُمْ عُمُومُ النَّاسِ وَجُمْهُورُهُمْ وَهُمْ غَيْرُ الْأَعْيَانِ الْمُتَمَيِّزِينَ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ حَشْوِ النَّاسِ كَمَا يُقَالُ هَذَا مِنْ جُمْهُورِهِمْ. وَأَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وَقَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَشْوِيًّا: فَالْمُعْتَزِلَةُ سَمَّوْا الْجَمَاعَةَ حَشْوًا كَمَا تُسَمِّيهِمْ الرَّافِضَةُ الْجُمْهُورَ. وَقُلْت - لَا أَدْرِي فِي الْمَجْلِسِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي - أَوَّلُ مَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ جِسْمٌ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ الرافضي. وَقُلْت لِهَذَا الشَّيْخِ: مَنْ فِي أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَشْوِيٌّ بِالْمَعْنَى الَّذِي تُرِيدُهُ؟ الْأَثْرَمُ أَبُو دَاوُد المروذي الْخَلَّالُ، أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ بْنُ حَامِدٍ، الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ عَقِيلٍ؟ وَرَفَعْت صَوْتِي وَقُلْت: سَمِّهِمْ قُلْ لِي مِنْهُمْ؟ مَنْ هُمْ؟ . أَبِكَذِبِ ابْنِ الْخَطِيبِ وَافْتِرَائِهِ عَلَى النَّاسِ فِي مَذَاهِبِهِمْ تَبْطُلُ الشَّرِيعَةُ وَتَنْدَرِسُ مَعَالِمُ الدِّينِ؟ كَمَا نَقَلَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ الْقَدِيمَ هُوَ أَصْوَاتُ الْقَارِئِينَ وَمِدَادُ الْكَاتِبِينَ وَأَنَّ الصَّوْتَ وَالْمِدَادَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ مَنْ قَالَ هَذَا؟ وَفِي أَيِّ كِتَابٍ وُجِدَ هَذَا عَنْهُمْ؟ قُلْ لِي. وَكَمَا نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ بِاللُّزُومِ الَّذِي ادَّعَاهُ وَالْمُقَدِّمَةُ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُمْ، وَأَخَذْت أَذْكُرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ هَذَا الشَّيْخُ مِنْ أَنَّهُ كَبِيرُ الْجَمَاعَةِ

    ج ٤ ص ١٨٥