ما قاله الأئمة عن السلف وعموم المسلمين في الاستواء

فقرة واحدة، ج ٤ ص ٢٦٠

  1. وَلَكِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ ضَرَرُهَا يَعُودُ عَلَيْكُمْ: فَإِنَّ الَّذِينَ سَعَوْا فِيهَا مِنْ الشَّامِ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ قَصْدَهُمْ فِيهَا كَيْدُكُمْ وَفَسَادُ مِلَّتِكُمْ وَدَوْلَتِكُمْ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى بِلَادِ التتر وَبَعْضُهُمْ مُقِيمٌ هُنَاكَ. فَهُمْ الَّذِينَ قَصَدُوا فَسَادَ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ وَجَعَلُونِي إمَامًا بِالتَّسَتُّرِ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنِّي أُوَالِيكُمْ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأُرِيدُ لَكُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالْقَضِيَّةُ لَهَا أَسْرَارٌ كُلَّمَا جَاءَتْ تَنْكَشِفُ، وَإِلَّا فَأَنَا لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ بِمِصْرِ عَدَاوَةٌ وَلَا بُغْضٌ وَمَازِلْت مُحِبًّا لَهُمْ، مُوَالِيًا لَهُمْ: أُمَرَائِهِمْ وَمَشَايِخِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ. فَقَالَ لِي فَمَا الَّذِي أَقُولُهُ لِنَائِبِ السُّلْطَانِ؟ فَقُلْت: سَلِّمْ عَلَيْهِ وَبَلِّغْهُ كُلَّ مَا سَمِعْتَ. فَقَالَ: هَذَا كَثِيرٌ. فَقُلْتُ: مُلَخَّصُهُ أَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الدُّرْجِ أَكْثَرُهُ كَذِبٌ. وَأَمَّا هَذِهِ الْكَلِمَةُ " اسْتَوَى حَقِيقَةً " فَهَذِهِ قَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الطَّوَائِفِ - الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّهُ أَجْمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ السُّنَّة وَالْجَمَاعَةِ، وَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا أَئِمَّتِهَا. بَلْ مَا عَلِمْت عَالِمًا أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ أَتْرُكُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَأَشَرْت بِذَلِكَ إلَى أُمُورٍ: مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ " أَبُو عُمَرَ الطلمنكي " وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ قَبْلَ الباجي وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذِهِ الطَّبَقَةِ. قَالَ: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ مَعْنَى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ: أَنَّ ذَلِكَ عِلْمُهُ وَأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ بِذَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَيْفَ شَاءَ. وَقَالَ

    ج ٤ ص ٢٦١أَيْضًا: قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي قَوْلِ اللَّهِ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} إنَّ الِاسْتِوَاءَ مِنْ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ الْمَجِيدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الْمَشْهُورِ فِي قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} قَالَ: هَذِهِ " مَسْأَلَةُ الِاسْتِوَاءِ " لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا كَلَامٌ وَأَجْزَاءٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي كِتَابِ " الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى " وَذَكَرْنَا فِيهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا. إلَى أَنْ قَالَ: وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الْأَوَّلُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَةِ وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّةُ بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى. كَمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُهُ وَأَخْبَرَتْ رُسُلُهُ. قَالَ: وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً. وَخُصَّ الْعَرْشُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَخْلُوقَاتِهِ، وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِوَاءِ: فَإِنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ. كَمَا قَالَ مَالِكٌ " الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ " يَعْنِي فِي اللُّغَةِ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالسُّؤَالُ عَنْ هَذَا بِدْعَةٌ. وَكَذَا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَقَالَ هَذَا الشَّيْخُ الْمَشْهُورُ بِمِصْرِ وَغَيْرِهَا فِي كِتَابِ " شَرْحِ الْأَسْمَاءِ " قَالَ: وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَضْرَمِيُّ الْقَيْرَوَانِيُّ الَّذِي لَهُ الرِّسَالَةُ الَّتِي سَمَّاهَا " بِرِسَالَةِ الْأَسْمَاءِ إلَى مَسْأَلَةِ الِاسْتِوَاءِ " لَمَّا ذَكَرَ اخْتِلَافَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الِاسْتِوَاءِ - قَوْلَ " الطبري يَعْنِي أَبَا جَعْفَرٍ صَاحِبَ التَّفْسِيرِ الْكَبِير وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ بَعْضِ كُتُبِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ " وَأَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي

    ج ٤ ص ٢٦٢الْأَشْعَرِيَّ وَحَكَاهُ عَنْهُ يَعْنِي الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ أَيْضًا: وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ. وَأَطْلَقُوا فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ فَوْقَ عَرْشِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي أَقُولُ بِهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَلَا تَمَكُّنٍ فِي مَكَانٍ وَلَا كَوْنٍ فِيهِ وَلَا مُمَاسَّةٍ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي " كِتَابِ تَمْهِيدِ الْأَوَائِلِ " لَهُ وَقَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ فورك فِي " شَرْحِ أَوَائِلِ الْأَدِلَّةِ " لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ والطلمنكي وَغَيْرِهِمَا مِنْ الأندلسيين، وَقَوْلِ الخطابي فِي " شِعَارِ الدِّينِ " ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا: وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ مَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْآيُ وَالْأَخْبَارُ وَالْفُضَلَاءُ الْأَخْيَارُ. إنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، بِلَا كَيْفٍ بَائِنٍ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ هَذَا مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ الثِّقَاتُ. هَذَا كُلُّهُ لَفْظُهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ السجزي فِي كِتَابِ " الْإِبَانَةِ " لَهُ: وَأَئِمَّتُنَا - كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وفضيل بْنِ عِيَاضٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه - مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ مَكَانٍ وَأَنَّهُ يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْأَبْصَارِ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَأَنَّهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى وَيَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ. فَمَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَهُمْ مِنْهُ بَرَاءٌ.

    ج ٤ ص ٢٦٠