قاعدة: في صفات العبادات الظاهرة التي حصل فيها خلاف بين الأمة في الرواية والرأي

٧ فقرات، ج ٢٣ ص ٣٥٦

  1. " قَاعِدَةٌ " فِي صِفَاتِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا تَنَازُعٌ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي الرِّوَايَةِ وَالرَّأْيِ: مِثْلُ الْأَذَانِ وَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ وَالتَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ وَرَفْعِ الْأَيْدِي فِيهَا وَوَضْعُ الْأَكُفِّ فَوْقَ الْأَكُفِّ. وَمِثْلُ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ فِي الْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنَّ التَّنَازُعَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالشَّعَائِرِ أَوْجَبَ أَنْوَاعًا مِنْ الْفَسَادِ الَّذِي يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَعِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ: " أَحَدُهَا " جَهْلُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ بِالْأَمْرِ الْمَشْرُوعِ الْمَسْنُونِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَاَلَّذِي سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ وَاَلَّذِي أَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ. " الثَّانِي " ظُلْمُ كَثِيرٍ مِنْ الْأُمَّةِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ بَعْضَهُمْ لِبَعْضِ وَبَغْيُهُمْ عَلَيْهِمْ: تَارَةً بِنَهْيِهِمْ عَمَّا لَمْ يَنْهَ اللَّهُ عَنْهُ وَبُغْضُهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُبْغِضُهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَتَارَةً بِتَرْكِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَصِلَتِهِمْ لِعَدَمِ مُوَافَقَتِهِمْ لَهُ

    ج ٢٣ ص ٣٥٧عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُؤْثِرُونَهُ حَتَّى يُقَدِّمُونَ فِي الْمُوَالَاةِ وَالْمَحَبَّةِ وَإِعْطَاءِ الْأَمْوَالِ وَالْوِلَايَاتِ مَنْ يَكُونُ مُؤَخَّرًا عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيَتْرُكُونَ مَنْ يَكُونُ مُقَدَّمًا عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِذَلِكَ. " الثَّالِثُ " اتِّبَاعُ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مَدِينًا بِاتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ. وَحَتَّى يَصِيرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَعَبِّدَةِ مِنْ الْأَهْوَاءِ مِنْ جِنْسِ مَا فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الْخَارِجِينَ عَنْ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: كَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.} " الرَّابِعُ " التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ الْمُخَالِفُ لِلِاجْتِمَاعِ والائتلاف حَتَّى يَصِيرَ بَعْضُهُمْ يُبْغِضُ بَعْضًا وَيُعَادِيهِ وَيُحِبُّ بَعْضًا وَيُوَالِيهِ عَلَى غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ وَحَتَّى يُفْضِيَ الْأَمْرُ بِبَعْضِهِمْ إلَى الطَّعْنِ وَاللَّعْنِ وَالْهَمْزِ وَاللَّمْزِ. وَبِبَعْضِهِمْ إلَى الِاقْتِتَالِ بِالْأَيْدِي وَالسِّلَاحِ وَبِبَعْضِهِمْ إلَى الْمُهَاجَرَةِ وَالْمُقَاطَعَةِ حَتَّى لَا يُصَلِّيَ بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.

    ج ٢٣ ص ٣٥٦
  2. وَالِاجْتِمَاعُ والائتلاف مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} - إلَى قَوْلِهِ - {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ. وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ بِخُرُوجِهِ مِنْ السُّنَّةِ الَّتِي شَرَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ وَمِنْ أَهْلِ الْفُرْقَةِ بِالْفُرْقَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَرَسُولُهُ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} {وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إنَّ

    ج ٢٣ ص ٣٥٩رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} وَقَالَ: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} وَقَالَ: {إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} . وَهَذَا الْأَصْلُ الْعَظِيمُ: وَهُوَ الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَأَنْ لَا يَتَفَرَّقَ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَمِمَّا عَظُمَتْ وَصِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فِي كِتَابِهِ. وَمِمَّا عَظُمَ ذَمُّهُ لِمَنْ تَرَكَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ وَمِمَّا عَظُمَتْ بِهِ وَصِيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِن عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: {عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ} وَقَوْلِهِ: {فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ} وَقَوْلِهِ: {مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ} وَقَوْلِهِ: {أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَفْضَلِ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ.} وَقَوْلِهِ: {مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمَرَكُمْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ} وَقَوْلِهِ: {يُصَلُّونَ لَكُمْ

    ج ٢٣ ص ٣٦٠فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ} وَقَوْلِهِ: {سَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً مِنْهَا وَاحِدَةٌ نَاجِيَةٌ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ - قِيلَ: وَمَنْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ؟ قَالَ - هِيَ الْجَمَاعَةُ يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ} .

    ج ٢٣ ص ٣٥٨
  3. وَبَابُ الْفَسَادِ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. بَلْ وَفِي غَيْرِهَا: هُوَ التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ فَإِنَّهُ وَقَعَ بَيْنَ أُمَرَائِهَا وَعُلَمَائِهَا مِنْ مُلُوكِهَا وَمَشَايِخِهَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ مَغْفُورًا لِصَاحِبِهِ لِاجْتِهَادِهِ الَّذِي يُغْفَرُ فِيهِ خَطَؤُهُ أَوْ لِحَسَنَاتِهِ الْمَاحِيَةِ أَوْ تَوْبَتِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ؛ لَكِنْ يُعْلَمُ أَنَّ رِعَايَتَهُ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَلِهَذَا كَانَ امْتِيَازُ أَهْلِ النَّجَاةِ عَنْ أَهْلِ الْعَذَابِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَيَذْكُرُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ السُّنَنِ وَالْآثَارِ فِي ذَلِكَ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ. وَكَانَ الْأَصْلُ الثَّالِثُ بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّذِي يَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَمَلِ بِهِ هُوَ الْإِجْمَاعُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى ضَلَالَةٍ.

  4. النَّوْعُ الْخَامِسُ هُوَ شَكُّ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ وَطَعْنُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةُ عَلَيْهِ مُتَّفِقُونَ؛ بَلْ وَفِي بَعْضِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ بَلْ وَبَعْضِ مَا عَلَيْهِ سَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ مُتَّفِقُونَ وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ نَقْلِهِمْ وَرِوَايَتِهِمْ تَارَةً وَمِنْ جِهَةِ تَنَازُعِهِمْ وَرَأْيِهِمْ أُخْرَى.

  5. أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ عَلَّمَ اللَّهُ الذِّكْرَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَأَمَرَ أَزْوَاجَ نَبِيِّهِ بِذِكْرِهِ حَيْثُ يَقُولُ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [و] (١) حَفِظَهُ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ مِنْ التَّحْرِيفِ مَا وَقَعَ فِيمَا أُنْزِلَ قَبْلَهُ. كَمَا عَصَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ فَعَصَمَ حُرُوفَ التَّنْزِيلِ أَنْ يُغَيَّرَ وَحَفِظَ تَأْوِيلَهُ أَنْ يَضِلَّ فِيهِ أَهْلُ الْهُدَى الْمُتَمَسِّكُونَ بِالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَحَفِظَ أَيْضًا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا لَيْسَ فِيهَا مِنْ الْكَذِبِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً بِمَا أَقَامَهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَحُفَّاظِهِ الَّذِينَ فَحَصُوا عَنْهَا وَعَنْ نَقَلَتِهَا وَرُوَاتِهَا وَعَلِمُوا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُمْ حَتَّى صَارُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى مَا تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ مِنْهَا إجْمَاعًا مَعْصُومًا مِنْ الْخَطَأِ؛ لِأَسْبَابِ يَطُولُ وَصْفُهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَعَلِمُوا هُمْ خُصُوصًا وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ بَلْ وَعَامَّتُهَا عُمُومًا مَا صَانُوا بِهِ الدِّينَ عَنْ أَنْ يُزَادَ فِيهِ أَوْ يُنْقَصَ مِنْهُ مِثْلَمَا عَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْهِمْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ إلَّا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَأَنَّ مَقَادِيرَ رَكَعَاتِهَا مَا بَيْنَ الثُّنَائِيِّ وَالثُّلَاثِيِّ وَالرُّبَاعِيِّ وَأَنَّهُ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّوْمِ إلَّا شَهْرَ رَمَضَانَ وَمِنْ الْحَجِّ إلَّا حَجَّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَمِنْ الزَّكَاةِ إلَّا فَرَائِضِهَا الْمَعْرُوفَةِ إلَى نَحْوِ ذَلِكَ. وَعَلِمُوا كَذِبَ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالَةِ فِيمَا قَدْ يَأْثُرُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِلْمِهِمْ بِكَذِبِ مَنْ يَزْعُمُ مِنْ الرَّافِضَةِ أَنَّ النَّبِيَّ

    ج ٢٣ ص ٣٦٢صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ نَصًّا قَاطِعًا جَلِيًّا وَزَعْمِ آخَرِينَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى آلِ العباس. وَعَلِمُوا أَكَاذِيبَ الرَّافِضَةِ وَالنَّاصِبَةِ - الَّتِي يَأْثُرُونَهَا فِي مِثْلِ " الْغَزَوَاتِ " الَّتِي يَرْوُونَهَا عَنْ عَلِيٍّ وَلَيْسَ لَهَا حَقِيقَةٌ كَمَا يَرْوِيهَا الْمُكَذِّبُونَ الطرقية: مِثْلُ أَكَاذِيبِهِمْ الزَّائِدَةِ فِي سِيرَةِ عَنْتَرٍ وَالْبَطَّالِ - حَيْثُ عَلِمُوا مَجْمُوعَ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ الْقِتَالَ فِيهَا كَانَ فِي تِسْعَةِ مَغَازٍ فَقَطْ وَلَمْ يَكُنْ عِدَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا الْعَدُوِّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَغَازِي الْقِتَالِ عِشْرِينَ أَلْفًا. وَمِثْلُ " الْفَضَائِلِ " الْمَرْوِيَّةِ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَنَحْوِهِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرْوِيهَا كَثِيرٌ مِنْ الكَرَّامِيَة فِي الْإِرْجَاءِ وَنَحْوِهِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرْوِيهَا كَثِيرٌ مِنْ النُّسَّاكِ فِي صَلَوَاتِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَفِي صَلَوَاتِ أَيَّامِ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرْوُونَهَا فِي اسْتِمَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَتَوَاجُدِهِ وَسُقُوطِ الْبُرْدَةِ عَنْ رِدَائِهِ وَتَمْزِيقِهِ الثَّوْبَ وَأَخْذِ جِبْرِيلَ لِبَعْضِهِ وَصُعُودِهِ بِهِ إلَى السَّمَاءِ وَقِتَالِ أَهْلِ الصُّفَّةِ مَعَ الْكُفَّارِ وَاسْتِمَاعِهِمْ لِمُنَاجَاتِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَالْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ فِي نُزُولِ الرَّبِّ إلَى الْأَرْضِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَصَبِيحَةَ مُزْدَلِفَةَ وَرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فِي الْأَرْضِ بِعَيْنِ رَأْسِهِ وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ الَّتِي يَطُولُ وَصْفُهَا فَإِنَّ الْمَكْذُوبَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُحْصِيهِ أَحَدٌ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. لِأَنَّ الْكَذِبَ يَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الصِّدْقِ

    ج ٢٣ ص ٣٦٣الْمَوْرُوثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَوْجُودًا فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَحْفُوظٌ مَحْرُوسٌ بِنَقْلِ خُلَفَاءِ الرَّسُولِ وَوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَكَانَ مِنْ الدَّلَائِلِ عَلَى انْتِفَاءِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَكْذُوبَةِ وَغَيْرِهَا وُجُوهٌ:

    أَحَدُهَا: أَنَّ مَا تَوَفَّرَتْ هِمَمُ الْخَلْقِ وَدَوَاعِيهِمْ عَلَى نَقْلِهِ وَإِشَاعَتِهِ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ كِتْمَانُهُ فَانْفِرَادُ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِمْ كَمَا يُعْلَمُ كَذِبُ مَنْ خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَخْبَرَ بِحَادِثَةٍ كَبِيرَةٍ فِي الْجَامِعِ مِثْلَ سُقُوطِ الْخَطِيبِ وَقَتْلِهِ وَإِمْسَاكِ أَقْوَامٍ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ إلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَيُعْلَمُ كَذِبُ مَنْ أَخْبَرَ أَنَّ فِي الطُّرُقَاتِ بِلَادًا عَظِيمَةً وَأُمَمًا كَثِيرِينَ وَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ السَّيَّارَةُ وَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَيُعْلَمُ كَذِبُ مَنْ أَخْبَرَ بِمَعَادِنِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُتَيَسِّرَةٍ لِمَنْ أَرَادَهَا بِمَكَانِ يَعْلَمُهُ النَّاسُ وَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ إلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فَبِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ وَقِيَاسِهِ وَضَرْبِهِ الْأَمْثَالَ يُعْلَمُ كَذِبُ مَا يُنْقَلُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ بِظُهُورِهَا وَانْتِشَارِهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً. كَمَا يُعْلَمُ أَيْضًا صِدْقُ مَا مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَاطَئُونَ فِيهِ عَلَى الْكَذِبِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمَنْقُولَاتِ الْمُسْتَفِيضَةِ فَإِنَّ اللَّهَ جَبَلَ جَمَاهِيرَ الْأُمَمِ عَلَى الصِّدْقِ وَالْبَيَانِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ دُونَ

    ج ٢٣ ص ٣٦١
  6. الْكَذِبِ وَالْكِتْمَانِ كَمَا جَبَلَهُمْ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ فَالنَّفْسُ بِطَبْعِهَا تَخْتَارُ الصِّدْقَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الْكَذِبِ غَرَضٌ رَاجِحٌ وَتَخْتَارُ الْأَخْبَارَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ دُونَ كِتْمَانِهَا. وَالنَّاسُ يَسْتَخْبِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَمِيلُونَ إلَى الِاسْتِخْبَارِ وَالِاسْتِفْهَامِ عَمَّا يَقَعُ وَكُلُّ شَخْصٍ لَهُ مَنْ يُؤْثِرُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيُبَيِّنَ لَهُ دُونَ أَنْ يُكَذِّبَهُ وَيَكْتُمَهُ وَالْكَذِبُ وَالْكِتْمَانُ يَقَعُ كَثِيرًا فِي بَنِي آدَمَ فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ لَا تَنْضَبِطُ كَمَا يَقَعُ مِنْهُمْ الزِّنَا وَقَتْلُ النُّفُوسِ وَالْمَوْتُ جُوعًا وَعُرْيًا وَنَحْوُ ذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ الْغَالِبُ عَلَى أَنْسَابِهِمْ إلَّا الصِّحَّةُ وَعَلَى أَنْفُسِهِمْ إلَّا الْبَقَاءُ فَالْغَرَضُ هُنَا أَنَّ الْأُمُورَ الْمُتَوَاتِرَةَ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَاطَئُوا فِيهَا عَلَى الْكَذِبِ وَالْأَخْبَارِ الشَّاذَّةِ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَاطَئُوا فِيهَا عَلَى الْكِتْمَانِ. (الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ دِينَ الْأُمَّةِ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ تَبْلِيغَ الدِّينِ وَإِظْهَارَهُ وَبَيَانَهُ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ كِتْمَانُهُ وَيُوجِبُ عَلَيْهِمْ الصِّدْقَ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْكَذِبَ فَتَوَاطُؤُهُمْ عَلَى كِتْمَانِ مَا يَجِبُ بَيَانُهُ كَتَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ وَكِلَاهُمَا مِنْ أَقْبَحِ الْأُمُورِ الَّتِي تُحَرَّمُ فِي دِينِ الْأُمَّةِ وَذَلِكَ بَاعِثٌ مُوجِبٌ الصِّدْقَ وَالْبَيَانَ.

    ج ٢٣ ص ٣٦٤
  7. الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ عَدْلِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَدِينِهَا وَعَظِيمِ رَغْبَتِهَا فِي تَبْلِيغِ الدِّينِ وَإِظْهَارِهِ وَعَظِيمِ مُجَانَبَتِهَا لِلْكَذِبِ عَلَى الرَّسُولِ

    ج ٢٣ ص ٣٦٥صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُوجِبُ أَعْظَمَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ؛ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَكْذِبُوا فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ وَلَا كَتَمُوا مَا أَمَرَهُمْ بِتَبْلِيغِهِ وَهَذِهِ الْعَادَةُ الْحَاجِيَّةُ الْخَاصَّةُ الدِّينِيَّةُ لَهُمْ غَيْرُ الْعَادَةِ الْعَامَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ جِنْسِ الْبَشَرِ. (الرَّابِعُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْخَاصَّةَ يَعْلَمُونَ مِنْ نُصُوصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُوجِبَةِ عَلَيْهِمْ التَّبْلِيغَ وَمِنْ تَعْظِيمِهِمْ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِنْ دِينِ آحَادِهِمْ: مِثْلَ الْخُلَفَاءِ وَمِثْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبي وَمُعَاذٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ - إلَى ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِمْ. يَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينًا - لَا يَتَخَالَجُهُ رَيْبٌ - امْتِنَاعَ هَؤُلَاءِ مِنْ كِتْمَانِ قَوَاعِدِ الدِّينِ الَّتِي يَجِبُ تَبْلِيغُهَا إلَى الْعَامَّةِ كَمَا يَعْلَمُونَ امْتِنَاعَهُمْ مِنْ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيَعْلَمُ أَيْضًا أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَ أَحْوَالِ الْمَشَاهِيرِ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِثْلُ الزُّهْرِيِّ وقتادة وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَمِثْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِمْ أُمُورًا يَعْلَمُونَ مَعَهَا امْتِنَاعَهُمْ مِنْ الْكَذِبِ وَامْتِنَاعَهُمْ عَنْ كِتْمَانِ تَبْلِيغِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَأْبَى أَحْوَالُهُمْ كِتْمَانَهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَسْبَابٌ يَطُولُ شَرْحُهَا وَلَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا تَقْرِيرُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا الْغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ الشُّبْهَةِ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.

    ج ٢٣ ص ٣٦٦قَالُوا: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِأَمْرِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي صِفَتِهِ وَكَذَلِكَ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ وَحَجَّةُ الْوَدَاعِ مِنْ أَعْظَمِ وَقَائِعِهِ وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي نَقْلِهَا وَذَكَرُوا نَحْوَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا الشُّبْهَةُ وَالنِّزَاعُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ وَجَعَلُوا هَذَا مُعَارِضًا لِمَا تَقَدَّمَ لِيُسَوِّغُوا أَنْ يَكُونَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ مَا لَمْ يُنْقَلْ بَلْ كُتِمَ لِأَهْوَاءِ وَأَغْرَاضِ. وَأَمَّا جِهَةُ الرَّأْيِ وَالتَّنَازُعِ فَإِنَّ تَنَازُعَ الْعُلَمَاءِ وَاخْتِلَافَهُمْ فِي صِفَاتِ الْعِبَادَاتِ بَلْ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ صَارَ شُبْهَةً لِكَثِيرِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالُوا: إنَّ دِينَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَالْحَقُّ لَا يَكُونُ فِي جِهَتَيْنِ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} . فَهَذَا التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْحَقِّ فِيمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَيُعَبِّرُونَ عَنْهُمْ بِعِبَارَاتِ تَارَةً يُسَمُّونَهُمْ الْجُمْهُورَ وَتَارَةً يُسَمُّونَهُمْ الْحَشْوِيَّةَ وَتَارَةً يُسَمُّونَهُمْ الْعَامَّةَ ثُمَّ صَارَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ لَمَّا جَعَلُوا هَذَا مَانِعًا مَنْ كَوْنِ الْحَقِّ فِيمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَلٌّ يَنْتَحِلُ سَبِيلًا مِنْ سُبُلِ الشَّيْطَانِ.