فصل: في الأماكن التي يشرع فيها التكبير
٤ فقرات، ج ٢٣ ص ٣٩٧
- ج ٢٣ ص ٣٩٧
أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ} فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ هِيَ أَوَّلُ مَا فِي الِاسْتِفْتَاحِ وَهِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ. وَأَيْضًا فَاَللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِالتَّسْبِيحِ بِحَمْدِهِ وَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ الصَّلَاةِ. بِقَوْلِهِ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} فَكَانَ ابْتِدَاءُ الِامْتِثَالِ بِهَذَا الذِّكْرِ أَوْلَى. وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ. مِنْ الْمُفَسِّرِينَ كَالضَّحَّاكِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ قَوْلُ الْمُصَلِّي: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنْت أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّعْظِيمِ بِصِفَاتِ الْبَقَاءِ وَالْإِثْبَاتِ وَأَفْعَالِهِ كُلِّهَا سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ.
- فَصْلٌ:
-
التَّكْبِيرُ مَشْرُوعٌ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ وَحَالَ ارْتِفَاعِ الْعَبْدِ وَحَيْثُ يُقْصَدُ الْإِعْلَانُ كَالتَّكْبِيرِ فِي الْأَذَانِ وَالتَّكْبِيرِ فِي الْأَعْيَادِ وَالتَّكْبِيرِ إذَا عَلَا شَرَفًا وَالتَّكْبِيرِ إذَا رَقِيَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَالتَّكْبِيرِ إذَا رَكِبَ الدَّابَّةَ وَالتَّسْبِيحِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُنْخَفِضَةِ وَحَيْثُ مَا نَزَلَ الْعَبْدُ. كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: {كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا فَوُضِعَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ} .
- ج ٢٣ ص ٣٩٨
وَالْحَمْدُ مِفْتَاحُ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ: مِنْ مُنَاجَاةِ الرَّبِّ وَمُخَاطَبَةِ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَالشَّهَادَةُ مَقْرُونَةٌ بِالْحَمْدِ وَبِالتَّكْبِيرِ فَهِيَ فِي الْأَذَانِ وَفِي الْخُطَبِ خَاتِمَةُ الثَّنَاءِ فَتُذْكَرُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ ثُمَّ يُخَاطِبُ النَّاسَ بِقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ وَتُذْكَرُ فِي الْخُطَبِ ثُمَّ يُخَاطِبُ النَّاسَ بِقَوْلِ: أَمَّا بَعْدُ وَتُذْكَرُ فِي التَّشَهُّدِ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَالْحَمْدُ وَالتَّوْحِيدُ مُقَدَّمٌ فِي خِطَابِ الْخَلْقِ لِلْخَالِقِ وَالْحَمْدُ لَهُ الِابْتِدَاءُ. فَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلُ مَا أَنْطَقَهُ بالحمد فَإِنَّهُ عَطَسَ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ اللَّهُ: يَرْحَمُك رَبُّك وَكَانَ أَوَّلُ مَا نَطَقَ بِهِ الْحَمْدُ وَأَوَّلُ مَا سَمِعَ مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةَ وَبِهِ افْتَتَحَ اللَّهُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَالتَّشَهُّدُ هُوَ الْخَاتِمَةُ. فَأَوَّلُ الْفَاتِحَةِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وَآخِرُ مَا لِلرَّبِّ {إيَّاكَ نَعْبُدُ} . وَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ. وَالْخُطَبُ فِيهَا التَّشَهُّدُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ. فَأَنْ يَتَضَمَّنْ إلَهِيَّةَ الرَّبِّ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ هُوَ الْمَعْبُودُ هَذَا هُوَ الْغَايَةُ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ و {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} لَكِنْ قَدَّمَ الْحَمْدَ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ يَكُونُ مِنْ اللَّهِ وَيَكُونُ مِنْ الْخَلْقِ. وَهُوَ بَاقٍ فِي الْجَنَّةِ: فَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِخِلَافِ الْعِبَادَةِ. فَإِنَّ الْعِبَادَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الدُّنْيَا بِالسُّجُودِ وَنَحْوِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَذِكْرُهُ بَاقٍ فِي الْجَنَّةِ يُلْهِمُهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ كَمَا يُلْهِمُهُمْ النَّفَسَ.