بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم: " نحن أحق بالشك من إبراهيم "

٣ فقرات، ج ٢٤ ص ١١

  1. سَعِيدٍ أَمَرَ بِالسَّجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَالَ هُنَاكَ {إنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إتْمَامًا لِأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ} . فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ شَاكٌّ هَلْ زَادَ أَوْ نَقَصَ؟ هَلْ صَلَّى أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا وَتَبَيَّنَ مَصْلَحَةُ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ النَّقِيضَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: {فَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَيُتِمُّ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَفِي لَفْظٍ فَيُتِمُّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ} فَجَعَلَ مَا فَعَلَهُ بَعْدَ التَّحَرِّي تَمَامًا لِصَلَاتِهِ وَجَعَلَهُ هُنَا مُتِمًّا لِصَلَاتِهِ لَيْسَ شَاكًّا فِيهَا؛ لَكِنَّ لَفْظَ الشَّكِّ يُرَادُ بِهِ تَارَةً مَا لَيْسَ بِيَقِينِ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ دَلَائِلُ وَشَوَاهِدُ عَلَيْهِ حَتَّى قَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: {نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ} أَنَّهُ جَعَلَ مَا دُونَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ الَّتِي طَلَبَهَا إبْرَاهِيمُ شَكًّا وَإِنْ كَانَ إبْرَاهِيمُ مُوقِنًا لَيْسَ عِنْدَهُ شَكٌّ يَقْدَحُ فِي يَقِينِهِ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ لَهُ رَبُّهُ: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} . فَإِذَا كَانَ قَدْ سُمِّيَ مِثْلُ هَذَا شَكًّا فِي قَوْلِهِ: {نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبْرَاهِيمَ} فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَقِينَ عِنْدَهُ؟ فَمَنْ عَمِلَ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ

    ج ٢٤ ص ١٢فَقَدْ عَمِلَ بِعِلْمِ لَمْ يَعْمَلْ بِظَنِّ وَلَا شَكٍّ؟ وَإِنْ كَانَ لَا يُوقِنُ أَنْ لَيْسَ هُنَاكَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْ الدَّلِيلِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ. وَاجْتِهَادُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَالْحَاكِمُ إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ حَكَمَ بِعِلْمِ. لَا بِظَنِّ وَجَهْلٍ وَكَذَلِكَ إذَا حَكَمَ بِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ وَهُوَ شَهَادَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَعَ هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَاطِنُ بِخِلَافِ مَا ظَهَرَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مِمَّا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ} . وَإِذَا كَانَ لَدَيْك مَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّكِّ لَمْ يُرِدْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: {إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ} بَلْ أَكْثَرُ الْخَلْقِ لَا يَجْزِمُونَ جَزْمًا يَقِينِيًّا لَا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ بِعَدِّ لِكُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا وَلَكِنْ يَعْتَقِدُونَ عَدَدَ الصَّلَاةِ اعْتِقَادًا رَاجِحًا وَهَذَا لَيْسَ بِشَكِّ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ} إنَّمَا هُوَ حَالُ مَنْ لَيْسَ لَهُ اعْتِقَادٌ رَاجِحٌ وَظَنٌّ غَالِبٌ فَهَذَا إذَا تَحَرَّى وَارْتَأَى وَتَأَمَّلَ فَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ رُجْحَانُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يَبْقَ شَاكًّا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ كَانَ شَاكًّا قَبْلَ التَّحَرِّي وَبَعْدَ التَّحَرِّي مَا بَقِيَ شَاكًّا مِثْلَ سَائِرِ مَوَاضِعِ التَّحَرِّي كَمَا إذَا شَكَّ فِي الْقِبْلَةِ فَتَحَرَّى حَتَّى تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أَحَدُ الْجِهَاتِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَاكًّا. وَكَذَلِكَ الْعَالِمُ الْمُجْتَهِدُ وَالنَّاسِي إذَا ذَكَرَ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

    ج ٢٤ ص ١١
  2. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: {إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ} خِطَابٌ لِمَنْ اسْتَمَرَّ الشَّكُّ فِي حَقِّهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّحَرِّي؛ إذْ لَيْسَ عِنْدَهُ أَمَارَةٌ وَدَلَالَةٌ تُرَجِّحُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، أَوْ تَحَرَّى وَارْتَأَى: فَلَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ هُنَا دَلَالَةٌ تُبَيِّنُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ غَلِطَ فَقَدْ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِمُوَافَقَةِ الْمَأْمُومِينَ إذَا كَانَ إمَامًا وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِمُخْبِرِ يُخْبِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَيَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ اعْتِقَادٌ رَاجِحٌ. وَقَدْ يَتَذَكَّرُ مَا قَرَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ فَيَذْكُرُ أَنَّهُ قَرَأَ بِسُورَتَيْنِ فِي رَكْعَتَيْنِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا رَكْعَةً وَقَدْ يَذْكُرُ أَنَّهُ تَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ صَلَّى ثِنْتَيْنِ لَا وَاحِدَةً وَأَنَّهُ صَلَّى ثَلَاثًا لَا اثْنَتَيْنِ وَقَدْ يَذْكُرُ أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَحْدَهَا فِي رَكْعَةٍ ثُمَّ فِي رَكْعَةٍ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا لَا ثَلَاثًا وَقَدْ يَذْكُرُ أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ رَكْعَتَيْنِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا لَا ثَلَاثًا وَاثْنَتَيْنِ لَا وَاحِدَةً وَقَدْ يَذْكُرُ أَنَّهُ تَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَالشَّكُّ بَعْدَهُ فِي رَكْعَةٍ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ صَلَّى ثَلَاثًا لَا اثْنَتَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ فِي بَعْضِ الرَّكَعَاتِ: إمَّا مِنْ دُعَاءٍ وَخُشُوعٍ وَإِمَّا مِنْ سُعَالٍ وَنَحْوِهِ وَإِمَّا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مَا يَعْرِفُ بِهِ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى قَبْلَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَيَزُولُ الشَّكُّ وَهَذَا بَابٌ لَا يَنْضَبِطُ فَإِنَّ النَّاسَ دَائِمًا يَشُكُّونَ فِي أُمُورٍ: هَلْ كَانَتْ أَمْ لَمْ تَكُنْ؟ ثُمَّ يَتَذَكَّرُونَ وَيَسْتَدِلُّونَ بِأُمُورِ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فَيَزُولُ

    ج ٢٤ ص ١٤الشَّكُّ فَإِذَا تَحَرَّى الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ لِلصَّوَابِ أَزَالَ الشَّكَّ. وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا. ثُمَّ إذَا تَحَرَّى الصَّوَابَ وَرَأَى أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا كَانَ إذَا صَلَّى خَامِسَةً قَدْ صَلَّى فِي اعْتِقَادِهِ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَهُوَ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الشَّكِّ الْمُتَسَاوِي فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ الشَّكِّ فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَالشَّكُّ فِي الزِّيَادَةِ أَوْلَى فَإِنَّ مَا زَادَهُ مَعَ الشَّكِّ مِثْلُ مَا زَادَهُ سَهْوًا وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُ. وَأَمَّا إذَا شَكَّ فِي النَّقْصِ فَهُوَ شَاكٌّ فِي فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ. وَأَيْضًا فَالْأَقْوَالُ الْمُمْكِنَةُ فِي هَذَا الْبَابِ: إمَّا أَنْ يُقَالَ: يَطْرَحُ الشَّكَّ مُطْلَقًا وَلَا يَتَحَرَّى. أَوْ يُحْمَلُ التَّحَرِّي عَلَى طَرْحِ الشَّكِّ فَهَذَا مُخَالَفَةٌ صَرِيحَةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِمَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَ هَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ كِلَا الْحَدِيثَيْنِ خِطَابٌ لِلْمُصَلِّينَ لَمْ يُخَاطِبْ بِأَحَدِهِمَا الْأَئِمَّةَ وَبِالْآخَرِ الْمُنْفَرِدِينَ وَلَا فِي لَفْظِ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَجَعْلُ هَذَا هُوَ مُرَادَ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نِسْبَةٌ لَهُ إلَى التَّدْلِيسِ وَالتَّلْبِيسِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مَعَ تَسَاوِي الشَّكِّ مُتَنَاوِلٌ لِلْجَمِيعِ

    ج ٢٤ ص ١٥بِالِاتِّفَاقِ فَإِخْرَاجُ الْأَئِمَّةِ مِنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَنَاوِلٌ لِمَا تَنَاوَلَهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ كِلَاهُمَا خِطَابٌ لِلشَّاكِّ فَذَاكَ أَمْرٌ لَهُ بِالتَّحَرِّي. إذَا أَمْكَنَهُ فَيَزُولُ الشَّكُّ. وَالثَّانِي أَمْرٌ لَهُ إذَا لَمْ يَزَلْ الشَّكُّ مَاذَا يَصْنَعُ. وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِلْحَاكِمِ: اُحْكُمْ بِالْبَيِّنَةِ وَاحْكُمْ بِالشُّهُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا مَعَ الْإِمْكَانِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ رَجَعَ إلَى الِاسْتِصْحَابِ وَهُوَ الْبَرَاءَةُ. كَذَلِكَ الْمُصَلِّي الشَّاكُّ: يَعْمَلُ بِمَا يُبَيِّنُ لَهُ الصَّوَابَ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ رَجَعَ إلَى الِاسْتِصْحَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛. وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِالتَّحَرِّي يَقْطَعُ وَسْوَاسَ الشَّيْطَانِ أَوْ يُقَلِّلُهُ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَحَرَّ فَلَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يُشَكِّكُهُ فِيمَا فَعَلَهُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ. وَقَدْ قَالُوا: إنَّهُ لَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ هَلْ تَرَكَ وَاجِبًا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ سَلَّمَ بَعْدَ إتْمَامِهَا فَعُلِمَ أَنَّ الظَّاهِرَ يُقَدَّمُ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أُمُورِ الشَّرْعِ. وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي عَدَدِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَرَمْي الْجِمَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّ التَّمَسُّكَ بِمُجَرَّدِ اسْتِصْحَابِ حَالِ الْعَدَمِ أَضْعَفُ الْأَدِلَّةِ مُطْلَقًا وَأَدْنَى دَلِيلٍ يُرَجَّحُ عَلَيْهِ كَاسْتِصْحَابِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ

    ج ٢٤ ص ١٣
  3. فِي نَفْيِ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ فَهَذَا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ أَضْعَفُ الْأَدِلَّةِ وَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ إلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ: هَلْ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ مَا تَقْتَضِي الْإِيجَابَ أَوْ التَّحْرِيمَ؟ . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ التَّمَسُّكَ بِهِ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ بَلْ فِي دَفْعِ الْخَصْمِ وَمَنْعِهِ فَيَقُولُ: أَنَا لَا أُثْبِتُ الْإِيجَابَ وَلَا أَنْفِيهِ بَلْ أُطَالِبُ مَنْ يُثْبِتُهُ بِالدَّلِيلِ أَوْ أَمْنَعُهُ أَوْ أَدْفَعُهُ عَنْ إثْبَاتِ إيجَابٍ بِلَا دَلِيلٍ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَمَّا. أَهْلُ الظَّاهِرِ فَهُوَ عُمْدَتُهُمْ لَكِنْ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ الْإِخْبَارُ بِانْتِفَاءِ الْأَشْيَاءِ وَعَدَمِ وُجُودِهَا: بِمُجَرَّدِ هَذَا الِاسْتِصْحَابِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَهَا وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ كَاذِبًا مُتَكَلِّمًا بِلَا عِلْمٍ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُوجَدُ فِي الْعَالَمِ وَالْإِنْسَانُ لَا يَعْرِفُهُ فَعَدَمُ عِلْمِهِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ وَلَا مُجَرَّدُ كَوْنِ الْأَصْلِ عَدَمَ الْحَوَادِثِ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِانْتِفَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا بِدَلِيلِ يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ؛ لَكِنْ الِاسْتِصْحَابُ يُرَجَّحُ بِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَمَا دَلَّ عَلَى الْإِثْبَاتِ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَدِلَّةِ فَهُوَ رَاجِحٌ عَلَى مُجَرَّدِ اسْتِصْحَابِ النَّفْيِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي أُمِرَ الْمُصَلِّي أَنْ يَتَحَرَّاهُ فَإِنَّ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَدِلَّةِ رَاجِحٌ عَلَى اسْتِصْحَابِ عَدَمِ الصَّلَاةِ وَهَذَا حَقِيقَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

    ج ٢٤ ص ١٦