سئل عن القيام للمصحف وتقبيله
٤ فقرات، ج ٢٤ ص ٦٥
- ج ٢٤ ص ٦٥
عَنْ الْقِيَامِ لِلْمُصْحَفِ وَتَقْبِيلِهِ؟ وَهَلْ يُكْرَهُ أَيْضًا أَنْ يُفْتَحَ فِيهِ الْفَأْلُ؟ .
- فَأَجَابَ:
-
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْقِيَامُ لِلْمُصْحَفِ وَتَقْبِيلُهُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا مَأْثُورًا عَنْ السَّلَفِ وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَد عَنْ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ. فَقَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا. وَلَكِنْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ: أَنَّهُ كَانَ يَفْتَحُ الْمُصْحَفَ وَيَضَعُ وَجْهَهُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: " كَلَامُ رَبِّي. كَلَامُ رَبِّي " وَلَكِنْ السَّلَفُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِمْ الْقِيَامُ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِمْ قِيَامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ اللَّهُمَّ إلَّا لِمِثْلِ الْقَادِمِ مِنْ مَغِيبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ أَنَسٌ: " لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ " وَالْأَفْضَلُ لِلنَّاسِ أَنْ يَتَّبِعُوا طَرِيقَ السَّلَفِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَلَا
ج ٢٤ ص ٦٦يَقُومُونَ إلَّا حَيْثُ كَانُوا يَقُومُونَ. فَأَمَّا إذَا اعْتَادَ النَّاسُ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ. فَقَدْ يُقَالُ: لَوْ تَرَكُوا الْقِيَامَ لِلْمُصْحَفِ مَعَ هَذِهِ الْعَادَةِ لَمْ يَكُونُوا مُحْسِنِينَ فِي ذَلِكَ وَلَا مَحْمُودِينَ بَلْ هُمْ إلَى الذَّمِّ أَقْرَبُ حَيْثُ يَقُومُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ وَلَا يَقُومُونَ لِلْمُصْحَفِ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ بِالْقِيَامِ. حَيْثُ يَجِبُ مِنْ احْتِرَامِهِ وَتَعْظِيمِهِ مَا لَا يَجِبُ لِغَيْرِهِ. حَتَّى يُنْهَى أَنْ يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ وَالنَّاسُ يَمَسُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَعَ الْحَدَثِ لَا سِيَّمَا وَفِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَشَعَائِرِهِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ مَنْ ذَكَرَ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْكِبَارِ قِيَامَ النَّاسِ لِلْمُصْحَفِ ذِكْرٌ مُقَرَّرٌ لَهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ لَهُ. وَأَمَّا اسْتِفْتَاحُ الْفَأْلِ فِي الْمُصْحَفِ: فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ فِيهِ شَيْءٌ وَقَدْ تَنَازَعَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِيهِ نِزَاعًا: ذَكَرَ عَنْ ابْنِ بَطَّةَ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَذَكَرَ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ كَرِهَهُ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ الْفَأْلُ الَّذِي يُحِبُّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ. وَالْفَأْلُ الَّذِي يُحِبُّهُ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ أَمْرًا أَوْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ الْحَسَنَةَ الَّتِي تَسُرُّهُ: مِثْلَ أَنْ يَسْمَعَ يَا نَجِيحُ يَا مُفْلِحُ يَا سَعِيدُ يَا مَنْصُورُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. كَمَا {لَقِيَ فِي سَفَرِ الْهِجْرَةِ
ج ٢٤ ص ٦٧رَجُلًا فَقَالَ: مَا اسْمُك؟ قَالَ: بريدة. قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ برد أَمْرُنَا} وَأَمَّا الطِّيَرَةُ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ أَمْرًا مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ أَوْ يَعْزِمُ عَلَيْهِ فَيَسْمَعُ كَلِمَةً مَكْرُوهَةً: مِثْلَ مَا يَتِمُّ أَوْ مَا يَفْلَحُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَيَتَطَيَّرُ وَيَتْرُكُ الْأَمْرَ فَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ. كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ {مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِي قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَّا قَوْمٌ يَتَطَيَّرُونَ قَالَ: ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنكُمْ} فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَصُدَّ الطِّيَرَةُ الْعَبْدَ عَمَّا أَرَادَ فَهُوَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِلْفَأْلِ وَكَرَاهَتِهِ لِلطِّيَرَةِ إنَّمَا يَسْلُكُ مَسْلَكَ الِاسْتِخَارَةِ لِلَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْعَمَلِ بِمَا شُرِعَ لَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ لَمْ يَجْعَلْ الْفَأْلَ آمِرًا لَهُ وَبَاعِثًا لَهُ عَلَى الْفِعْلِ وَلَا الطِّيَرَةَ نَاهِيَةً لَهُ عَنْ الْفِعْلِ وَإِنَّمَا يَأْتَمِرُ وَيَنْتَهِي عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ يَسْتَقْسِمُونَ بِالْأَزْلَامِ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الِاسْتِقْسَامَ بِالْأَزْلَامِ فِي آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ وَكَانُوا إذَا أَرَادُوا أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ أَحَالُوا بِهِ قَدَّاحًا مِثْلَ السِّهَامِ أَوْ الْحَصَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ عَلَّمُوا عَلَى هَذَا عَلَامَةَ الْخَيْرِ وَعَلَى هَذَا عَلَامَةَ الشَّرِّ وَآخَرُ غُفْلٌ. فَإِذَا خَرَجَ هَذَا فَعَلُوا وَإِذَا خَرَجَ هَذَا تَرَكُوا وَإِذَا خَرَجَ الْغُفْلُ أَعَادُوا الِاسْتِقْسَامَ. فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الَّتِي تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: مِثْلَ الضَّرْبِ بِالْحَصَى وَالشَّعِيرِ وَاللَّوْحِ وَالْخَشَبِ وَالْوَرَقِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ حُرُوفُ أَبْجَد أَوْ أَبْيَاتٌ مِنْ
- ج ٢٤ ص ٦٨
الشِّعْرِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَطْلُبُ بِهِ الْخِيَرَةَ فَمَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ وَيَتْرُكُهُ يُنْهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ وَإِنَّمَا يُسَنُّ لَهُ اسْتِخَارَةُ الْخَالِقِ وَاسْتِشَارَةُ الْمَخْلُوقِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تُبَيِّنُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَنْهَى عَنْهُ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ تَارَةً يُقْصَدُ بِهَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ: هَلْ هُوَ خَيْرٌ أَمْ شَرٌّ؟ وَتَارَةً الِاسْتِدْلَالُ عَلَى مَا يَكُونُ فِيهِ نَفْعٌ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ. وَكُلًّا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.