فصل: في جواز الطواف وركعتيه في أوقات النهي
٣ فقرات، ج ٢٤ ص ١٨٤
- ج ٢٤ ص ١٨٤
فَيُقَالُ: هَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ تَأْخِيرِهَا لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ كَمَا أَخَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: {هَذَا وَادٍ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ} وَمِثْلُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا حَتَّى يَتَطَهَّرَ غَيْرُهُ وَيُصَلُّوهَا جَمَاعَةً كَمَا صَلَّوْا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْفَجْرِ لَمَّا نَامُوا عَنْهَا بِخِلَافِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ الْحَاضِرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَفْوِيتُهَا بِحَالِ مِنْ الْأَحْوَالِ. وَهَذَا الَّذِي بَيَّنَّاهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا عُمُومَ لِوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتِ غُرُوبِهَا فَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمَوَاقِيتِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
- فَصْلٌ:
-
وَرَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ} رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَاحْتَجَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ وَأَخَذُوا بِهِ وَجَوَّزُوا الطَّوَافَ وَالصَّلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَأَمَّا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ فَعَنْ أَحْمَد فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا لَا يَرَوْنَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِي
ج ٢٤ ص ١٨٥وَقْتِ النَّهْيِ وَالْحُجَّةُ مَعَ أُولَئِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: {لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ} عُمُومٌ مَقْصُودٌ فِي الْوَقْتِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْمَوَاقِيتُ الْخَمْسَةُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يَخُصَّ مِنْهُ صُورَةً لَا بِنَصِّ وَلَا إجْمَاعٍ وَحَدِيثُ النَّهْيِ مَخْصُوصٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعُمُومُ الْمَحْفُوظُ رَاجِحٌ عَلَى الْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْبَيْتَ مَا زَالَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ مِنْ حِينِ بَنَاهُ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ يَطُوفُونَ بِهِ وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ وَكَذَلِكَ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ كَثُرَ طَوَافُ الْمُسْلِمِينَ بِهِ وَصَلَاتُهُمْ عِنْدَهُ. وَلَوْ كَانَتْ رَكْعَتَا الطَّوَافِ مَنْهِيًّا عَنْهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ نَهْيًا عَامًّا لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَى ذَلِكَ وَلَكَانَ ذَلِكَ يُنْقَلُ وَلَمْ يَنْقُلْ مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الطَّوَافَ طَرَفَيْ النَّهَارِ أَكْثَرُ وَأَسْهَلُ. الرَّابِعُ: أَنَّ فِي النَّهْيِ تَعْطِيلًا لِمَصَالِحِ ذَلِكَ مِنْ الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ.