السبب الذي أوقع الاتحادية في القول بوحدة الوجود
٦ فقرات، ج ٥ ص ٥٩
- ج ٥ ص ٥٩
يَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا النَّفْيَ اقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ مُرَادُهُمْ: أَنَّهُ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ شَيْءٌ أَصْلًا وَلَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ إلَّا عَدَمٌ مَحْضٌ؛ لَيْسَ هُنَاكَ إلَهٌ يُعْبَدُ وَلَا رَبٌّ يُدْعَى وَيُسْأَلُ وَلَا خَالِقٌ خَلَقَ الْخَلَائِقَ وَلَا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ إلَى رَبِّهِ أَصْلًا هَذَا مَقْصُودُهُمْ.
-
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ الِاتِّحَادِيَّةَ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ نَفْسُ الْمَوْجُودَاتِ؛ إذْ لَمْ تَجِدْ قُلُوبُهُمْ مَوْجُودًا إلَّا هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهَا شَيْءٌ آخَرُ وَهَذَا مِنْ الْمَعَارِفِ الْفِطْرِيَّةِ الشهودية الْوُجُودِيَّةِ: أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا هَذَا الْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ؛ أَوْ وُجُودٌ آخَرُ مُبَايِنٌ لَهُ مُتَمَيِّزٌ عَنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا عَلِمُوا أَنَّ الْأَفْلَاكَ مُسْتَدِيرَةٌ وَأَنَّ الْأَعْلَى هُوَ الْمُحِيطُ. فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا هَذَا الْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ؛ أَوْ مَوْجُودٌ فَوْقَهُ. فَإِذَا اعْتَقَدُوا مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ وُجُودٌ آخَرُ وَلَا فَوْقَ الْعَالَمِ شَيْءٌ؛ لَزِمَ أَنْ يَقُولُوا: هُوَ هَذَا الْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ؛ كَمَا قَالَ الِاتِّحَادِيَّةُ. وَهَذِهِ بِعَيْنِهَا هِيَ حُجَّةُ الِاتِّحَادِيَّةِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ مَشْرَبُ قُدَمَاءِ الْجَهْمِيَّة وحدثائهم كَمَا يَقُولُونَ: هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَلَيْسَ هُوَ فِي مَكَانٍ. وَلَا يَخْتَصُّ بِشَيْءِ. يَجْمَعُونَ دَائِمًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ إثْبَاتَ مَوْجُودٍ؛ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَوْقَ الْعَالَمِ. فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْعَالَمَ أَوْ يَكُونَ فِيهِ. ثُمَّ يُرِيدُونَ إثْبَاتَ شَيْءٍ غَيْرِ الْمَخْلُوقِ؛
- ج ٥ ص ٦٠
فَيَقُولُونَ: لَيْسَ هُوَ فِي الْعَالَمِ كَمَا لَيْسَ خَارِجًا عَنْهُ؛ أَوْ يَقُولُونَ: هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ دُونَ أَعْيَانِهَا أَوْ يَقُولُونَ: هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ فَيُثْبِتُونَهُ فِيمَا يُثْبِتُونَ إذَا كَانَتْ قُلُوبُهُمْ مُتَشَابِهَةً فِي النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ وَهُوَ إنْكَارٌ مَوْجُودٌ حَقِيقِيٌّ مُبَايِنٌ لِلْمَخْلُوقَاتِ عَالٍ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُونَ فِيمَا يُثْبِتُونَهُ وَيُكْرِهُونَ فِطَرَهُمْ وَعُقُولَهُمْ عَلَى قَبُولِ الْمُحَالِ الْمُتَنَاقِضِ فَيَقُولُونَ: هُوَ فِي الْعَالَمِ وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ أَوْ هُوَ الْعَالَمُ وَلَيْسَ إيَّاهُ أَوْ يُغَلِّبُونَ الْإِثْبَاتَ فَيَقُولُونَ: بَلْ هُوَ نَفْسُ الْوُجُودِ أَوْ النَّفْيِ فَيَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْعَالَمِ وَلَا خَارِجًا عَنْهُ أَوْ يَدِينُونَ بِالْإِثْبَاتِ فِي حَالٍ وَبِالنَّفْيِ فِي حَالٍ إذَا غَلَبَ عَلَى أَحَدِهِمْ عَقْلُهُ غَلَّبَ النَّفْيَ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ وَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجْدُ وَالْعِبَادَةُ رَجَّحَ الْإِثْبَاتَ وَهُوَ أَنَّهُ فِي هَذَا الْوُجُودِ أَوْ هُوَ هُوَ لَا تَجِدُ جهميا إلَّا عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ تَنَوَّعُوا فِيمَا يُثْبِتُونَهُ - كَمَا ذَكَرْته لَك - فَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي التَّعْطِيلِ. وَقَدْ رَأَيْت مِنْهُمْ وَمِنْ كُتُبِهِمْ؛ وَسَمِعْت مِنْهُمْ وَمِمَّنْ يُخْبِرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ. وَكُلُّهُمْ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ ضَالُّونَ عَنْ مَعْبُودِهِمْ وَإِلَهِهِمْ وَخَالِقِهِمْ. ثُمَّ رَأَيْت كَلَامَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كُلِّهِمْ يَصِفُونَهُمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ. فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِاتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَآمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ. وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَجِدُ نَفْسَهُ مُضْطَرِبَةً فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ لِتَنَاقُضِهِ فِي نَفْسِهِ. وَإِنَّمَا يُسَكِّنُ بَعْضَ اضْطِرَابِهِ نَوْعُ تَقْلِيدٍ لِمُعَظَّمِ عِنْدَهُ أَوْ خَوْفُهُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَصْحَابِهِ أَوْ زَعْمُهُ أَنَّ هَذَا مِنْ حُكْمِ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ دُونَ الْعَقْلِ.
- ج ٥ ص ٦١
وَهَذَا التَّنَاقُضُ فِي إثْبَاتِ هَذَا الْمَوْجُودِ الَّذِي لَيْسَ بِخَارِجِ عَنْ الْعَالَمِ وَلَا هُوَ الْعَالَمُ الَّذِي تَرُدُّهُ فِطَرُهُمْ وَشُهُودُهُمْ وَعُقُولُهُمْ؛ غَيْرُ مَا فِي الْفِطْرَةِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِصَانِعِ فَوْقَ الْعَالَمِ فَإِنَّ هَذَا إقْرَارُ الْفِطْرَةِ بِالْحَقِّ الْمَعْرُوفِ وَذَاكَ إنْكَارُ الْفِطْرَةِ بِالْبَاطِلِ الْمُنْكَرِ.
-
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ المقدسي فِي حِكَايَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ: أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا جَعْفَرٍ الهمداني حَضَرَ مَرَّةً وَالْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَعَالِي يَذْكُرُ عَلَى الْمِنْبَرِ: " كَانَ اللَّهُ وَلَا عَرْشَ " وَنَفَى الِاسْتِوَاءَ - عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ رَجَعَ عَنْ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ وَمَاتَ عَلَى دِينِ أُمِّهِ وَعَجَائِزِ نَيْسَابُورَ - قَالَ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ " يَا أُسْتَاذُ دَعْنَا مِنْ ذِكْرِ الْعَرْشِ - يَعْنِي لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا جَاءَ فِي السَّمْعِ - أَخْبِرْنَا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُهَا فِي قُلُوبِنَا: مَا قَالَ عَارِفٌ قَطُّ " يَا اللَّهُ " إلَّا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ مَعْنًى يَطْلُبُ الْعُلُوَّ لَا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً فَكَيْفَ نَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ قُلُوبِنَا؟ " . فَصَرَخَ أَبُو الْمَعَالِي وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ. " حَيَّرَنِي الهمداني " . أَوْ كَمَا قَالَ وَنَزَلَ. فَهَذَا الشَّيْخُ تَكَلَّمَ بِلِسَانِ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَرْشَ وَالْعِلْمَ بِاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَيْهِ إنَّمَا أُخِذَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَخَبَرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِعُلُوِّ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَرْشٍ وَلَا اسْتِوَاءٍ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ نَجِدُهُ فِي قُلُوبِنَا نَحْنُ وَجَمِيعُ مَنْ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى فَكَيْفَ نَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ قُلُوبِنَا.
- ج ٥ ص ٦٢
{وَالْجَارِيَةُ الَّتِي قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ} جَارِيَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ أَرَأَيْت مِنْ فِقْهِهَا وَأَخْبَرَهَا بِمَا ذَكَرَتْهُ؟ وَإِنَّمَا أَخْبَرَتْ عَنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا وَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَشَهِدَ لَهَا بِالْإِيمَانِ. فَلْيَتَأَمَّلْ الْعَاقِلُ ذَلِكَ يَجِدْهُ هَادِيًا لَهُ عَلَى مَعْرِفَةِ رَبِّهِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ كَمَا يَنْبَغِي؛ لَا مَا أَحْدَثَهُ الْمُتَعَمِّقُونَ والمتشدقون مِمَّنْ سَوَّلَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ وَأَمْلَى لَهُمْ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: أَنَّ الَّذِينَ لَبَّسُوا الْكَلَامَ بِالْفَلْسَفَةِ مَنْ أَكَابِرِ الْمُتَكَلِّمِينَ تَجِدُهُمْ يَعُدُّونَ مِنْ الْأَسْرَارِ الْمَصُونَةِ وَالْعُلُومِ الْمَخْزُونَةِ: مَا إذَا تَدَبَّرَهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ وَدِينٍ وَجَدَ فِيهِ مِنْ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ مَا لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ هَؤُلَاءِ حَتَّى قَدْ يُكَذِّبُ بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهُمْ مِثْلُ تَفْسِيرِ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ الَّذِي أَلَّفَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي الَّذِي احْتَذَى فِيهِ حَذْوَ ابْنِ سِينَا وَعَيْنِ الْقُضَاةِ الهمداني فَإِنَّهُ رَوَى حَدِيثَ الْمِعْرَاجِ. بِسِيَاقِ طَوِيلٍ وَأَسْمَاءٍ عَجِيبَةٍ وَتَرْتِيبٍ لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ لَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلَا الْحَسَنَةِ وَلَا الضَّعِيفَةِ الْمَرْوِيَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَإِنَّمَا وَضَعَهُ بَعْضُ السؤال والطرقية أَوْ بَعْضُ شَيَاطِينِ الْوُعَّاظِ أَوْ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ. ثُمَّ إنَّهُ مَعَ الْجَهْلِ بِحَدِيثِ الْمِعْرَاجِ - الْمَوْجُودِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالسِّيرَةِ وَعُدُولِهِ عَمَّا يُوجَدُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ إلَى مَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْ عَالِمٍ وَلَا يُوجَدُ