الخلاف في نسك عائشة وعمرتها
فقرتان، ج ٢٧ ص ٢٩٨
- ج ٢٧ ص ٢٩٨
طَوَافُك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك فَأَبَتْ فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ} وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ {عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفِ فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجْزِئُ عَنْك طَوَافُك بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّك وَعُمْرَتِك} . فَهَذِهِ قِصَّةُ عَائِشَةَ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي عُمْرَتِهَا الَّتِي فَعَلَتْهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْحِجَازِ: كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ " وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ أَنَّهَا لَمَّا حَاضَتْ وَهِيَ مُتَمَتِّعَةٌ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَنَعَهَا الْحَيْضُ مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الْإِحْرَامِ فَصَارَتْ قَارِنَةً بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ إذْ الْقَارِنُ اسْمٌ لِمَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا ابْتِدَاءً أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ طَوَافِهَا. قَالُوا: وَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ لَيْسَ فِي عَمَلِهِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ إلَّا الْهَدْيَ فَلِهَذَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا أَحَلَّتْ: " قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجِّك وَعُمْرَتِك جَمِيعًا ". وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهَا لَمَّا حَاضَتْ أَمَرَهَا أَنْ تَرْفُضَ الْعُمْرَةَ فَتَنْتَقِلَ عَنْهَا إلَى الْحَجِّ لَا تُفَرِّقُ
ج ٢٧ ص ٢٩٩بَيْنَهُمَا بَلْ تَبْقَى فِي حَجٍّ مُفْرَدٍ قَالُوا: فَلَمَّا حَلَّتْ حَلَّتْ مِنْ الْحَجِّ فَقَطْ وَكَانَ عَلَيْهَا عُمْرَةٌ تَقْضِيهَا مَكَانَ عُمْرَتِهَا الَّتِي رَفَضَتْهَا. وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ كَانَتْ الْعُمْرَةُ الَّتِي فَعَلَتْهَا وَاجِبَةً لِأَنَّهَا قَضَاءٌ عَمَّا تَرَكَتْهَا. وَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً بَلْ جَائِزَةً. وَحُكْمُ كَلِّ امْرَأَةٍ قَدِمَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ قَبْلَ الطَّوَافِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ: هَلْ تُؤْمَرُ أَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَتَصِيرَ قَارِنَةً أَمْ تَرْفُضُ الْعُمْرَةَ فِي الْحَجِّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد: أَنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً وَعُمْرَةُ الْقَارِنِ لَا تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُمْرَةِ الْإِسْلَامِ. وَفِيهَا قَوْلٌ رَابِعٌ: ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَامْتَنَعَتْ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِأَجْلِ الْحَيْضِ وَإِنَّ هَذِهِ الْعُمْرَةَ هِيَ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَيَلِيهِ فِي الضَّعْفِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَمِنْ أُصُولِ هَذَا النِّزَاعِ: أَنَّ الْقَارِنَ عِنْدَ الْآخَرِينَ عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ أَوَّلًا وَيَسْعَى لِلْعُمْرَةِ ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى لِلْحَجِّ وَيَخْتَصُّ عِنْدَهُمْ بِمَنْعِهَا مِنْ عَمَلِ الْقَارِنِ كَمَا كَانَ يَمْنَعُهَا مِنْ عَمَلِ التَّمَتُّعِ. وَالْأَوَّلُونَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْقَارِنِ إلَّا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ كَمَا عَلَى الْمُفْرِدِ فَإِذَا كَانَتْ حَائِضًا سَقَطَ عَنْهَا طَوَافُ الْقُدُومِ وَأَخَّرَتْ السَّعْيَ إلَى أَنْ تَسْعَى
ج ٢٧ ص ٣٠٠بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَهْلُ الْقَوْلِ الثَّانِي بَلَغَهُمْ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: " اُرْفُضِي عُمْرَتَك " . وَاعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَمِرَ مِنْ التَّنْعِيمِ فَاعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ صَارَ وَاجِبًا لِلْعُمْرَةِ الْمَرْفُوضَةِ وَأَنَّ رَفْضَ الْعُمْرَةِ هُوَ تَرْكُهَا بِالدُّخُولِ فِي الْحَجِّ الْمُفْرَدِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: فَبَلَغَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَبْلُغْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ قِصَّةَ عَائِشَةَ رُوِيَتْ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْهَا وَعَنْ غَيْرِهَا كَجَابِرِ وَغَيْرِهِ فَانْظُرْ مَا قَالَتْ وَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ لَهَا: " قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجِّك وَعُمْرَتِك جَمِيعًا " وَقَالَ لَهَا: " سَعْيُك وَطَوَافُك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك " وَفِي رِوَايَةٍ " يُجْزِئُ عَنْك طَوَافُك بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّك وَعُمْرَتِك " فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهَا كَانَتْ فِي حَجٍّ وَعُمْرَةٍ؛ لَا فِي حَجٍّ مُفْرَدٍ وَفِي أَنَّ الطَّوَافَ الْوَاحِدَ أَجْزَأَ عَنْهَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى طَوَافَيْنِ. وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَانُوا قَادِمِينَ وَلَمْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حِينَ قَدِمُوا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
- ج ٢٧ ص ٣٠١
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا {قالت لَهُ - لَمَّا قَالَ لَهَا ذَلِكَ: إنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حِينَ حَجَجْت قَالَ: فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمِرْهَا مِنْ التَّنْعِيمِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهَا لَهُ: أَيَرْجِعُ صَوَاحِبِي بِحَجِّ وَعُمْرَةٍ؟ وَأَرْجِعُ أَنَا بِالْحَجِّ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَذَهَبَ بِهَا إلَى التَّنْعِيمِ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْعُمْرَةِ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا أَجَابَ سُؤَالَهَا لَمَّا كَرِهَتْ أَنْ تَرْجِعَ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ فَإِنَّ صَوَاحِبَهَا كُنَّ فِي عُمْرَةِ تَمَتُّعٍ: طُفْنَ أَوَّلًا وَسَعَيْنَ وَهِيَ لَمْ تَطُفْ وَتَسْعَ إلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ فَصَارَ عَمَلُهُنَّ أَزْيَدَ مِنْ عَمَلِهَا؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ عَنْهَا بِالْحَيْضِ الطَّوَافُ الْأَوَّلُ.